محمد بن صقر

في هذا المقال نتحدث عن أحد مسببات الأزمات السياسية سواء في وقتنا الحاضر أو في الماضي؛ وهي الصورة وكيف يتم قراءتها والتداعيات التي يمكن أن تسببها، حيث لم تعد الصورة في هذا الزمن مجرد وثيقة بصرية تُلتقط ثم تُحفظ في الأرشيف أو تعلق على الحائط، بل أصبحت فاعلا في تشكيل الوعي وتعليبه وتحريك الرأي العام، وتتم حولها التفسيرات والتنبؤات، ويتم من خلالها تحريك الشارع وانتفاضة الشعوب متى ما كان ملامسًا عناصر تثيرهم وتحركهم ضمن مناخ معين، كذلك أصبحت الصور تقوم بإحراج السلطة ووضعها في موقف المدافع والمبرر، وهذا بالضبط ما حصل مع رئيسة وزراء إيطاليا، حيث اتهمت الرئيس الأمريكي باختلاق رواية عنها، بشأن الصورة التي جمعتهما، بعد أن قال ترمب إن ميلوني توسلت إليه لالتقاط الصورة، وهو ما نفته الأخيرة وذكرت ذلك في مقطع لها انتشر، ولكن ترمب أعاد ذكر ذلك وأصر على موقفه وبغض النظر عن الطلب وصحة من يقول أو ينفي في هذه الرواية التي أصبحت حديث الشارع والصحف، لا بد أن نعلم أن الصورة لها دلالتها السياسية والاقتصادية، ولها طريقة في الرؤية لأن الصورة لا تنقل الواقع بطريقة محايدة أو بريئة كما يعتقد بعض الجماهير تمامًا؛ إذ يرى جون برجر الكاتب والناقد الإنجليزي أن كل صورة تتضمن طريقة في الرؤية، وأن الصورة ليست سجلا آليًا خالصًا لأن من يقوم بعملية التصوير ومن ينشر تلك الصور يختار زاويةً ولحظةً وموضوعًا من بين احتمالات كثيرة. ويقوم بتغذية رسالته من خلال الإخراج النهائي لصورته، وهنا يمكن القول إن العلاقة بين الصورة والأزمة السياسية علاقة تعانق فالصورة تكشف الأزمة أو تخلقها، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد صياغتها وتمنحها معنىً جماهيريًا مثيرًا للجماهير، ويسجل في تاريخ الشعوب ويحرك كثيرًا من المواقف السياسية، ففي الأزمات السياسية الكبرى، تتحول الصورة إلى شهادة ووقود ضغط جماهيري قد يكون أخلاقيًا، فعلى سبيل المثال في التاريخ القديم كانت صورة فتاة النابالم في فيتنام عام 1972، المعروفة بشكل إعلامي ورسمي باسم The Terror of War، حيث أظهرت أطفالًا ينجون من ويلات الحرب بعد قصف النابالم، ومن بينهم كيم فوك ذات التسع سنوات؛ وقد وصفتها مؤسسة World Press Photo بأنها من الصور التي بيّنت الفظائع في حرب فيتنام. هذه الصورة لم تكن مجرد تسجيل للحظة جحيم، بل اختزلت وحشية الحرب في جسد طفلة عارية، وجعلت النقاش السياسي حول الحرب أكثر إنسانية وأقل تجريدًا. ومع ذلك، نحن لا نقول إن صورة واحدة أنهت الحرب، ولكنها تؤثر ضمن سياق سياسي وإعلامي واجتماعي أوسع، يتم وضع آلة ترويجية لها لخدمة الأجندة أيًّا كانت مبرراتها، إن الصورة وطريقة إخراجها وبناء نص يُبنى عليها ورسالة تكتب للجماهير لها دور كبير في خلق أزمات وبناء تأثيرات، كذلك نجد أن الصورة لها دلالة ووظيفة رمزية مثل ما حدث لصورة رجل الدبابة في ميدان تيانانمن عام 1989. فبحسب مجلة Time، وقف رجل صيني أعزل أمام صف من الدبابات في بكين في 1989، بعد قمع الاحتجاجات الطلابية. وتحولت هذه اللقطة إلى رمز عالمي للمقاومة الفردية أمام العنف الرسمي فالصورة لا تقوم بشرح التفاصيل ولا مسببات المشكلة، ولكنها تحاول أن تختزل المشهد القابل للانتشار في العلاقة غير المتكافئة بين المواطن والدولة؛ جسد وحيد أمام آلة عسكرية، وهنا تكمن قوة الصورة السياسية في قدرتها على تحويل حدث معقد إلى رمز قابل للتداول والتذكر كما تؤدي الصورة وظيفة المساءلة. ففي فضيحة سجن أبو غريب أو صور إبستين في الولايات المتحدة والمنتجع الخاص به، وما زالت الأزمة تطارد بعض الشخصيات، أشعلت موجة انتقادات وإدانة عالمية، وقادت إلى تحقيقات، ونقلت هذه الصور الأزمة من مستوى الشكوك والاتهامات إلى مستوى الدليل البصري الصادم والتحقيقات، ولذلك تصبح الصورة في مثل هذه الحالات أداة رقابة فهي تفضح ما تحاول المؤسسات السياسية أو العسكرية إخفاءه. لكن قوة الصورة لا تعني أنها بريئة دائمًا. فالصورة قد تجتزئ من سياقها، أو تُستخدم للدعاية، أو تُفبرك أو يتم استخدامها بطريقة غير مهنية كما فعل الرئيس ترمب مع رئيسة الوزراء الإيطالية، وعلى الرغم من أن رئيسة الوزراء الإيطالية التي تلاحقها مشكلة الصور خاصة تلك الصور غير الأخلاقية التي تم بناؤها وفبركتها وتوليدها بالذكاء الاصطناعي مما زاد المخاوف بشكل كبير، فقد أشار تقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2024 إلى تزايد أمثلة التزييف العميق والصور المصطنعة في سياقات سياسية وحربية، وإلى أن 59 % من المشاركين في دول متعددة عبّروا عن قلقهم من التمييز بين الحقيقي والمزيف في الأخبار الرقمية، وأن المعلومات المضللة والمعلومات الزائفة تمثل أكبر المخاطر قصيرة المدى، وهذا يعني أن الصورة في الأزمة السياسية قد تكون أداة كشف، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة تضليل. لذلك فإن أثر الصورة لا يقاس بلحظة الالتقاط، بل بمسارها ومن يفسرها، ومن يوظفها سياسيًا. فالصورة في الأزمات السياسية ليست تحفة إعلامية أو خبرًا متصدرًا، بل هي جزء من بنية الأزمة نفسها. قد تفقد مصداقيتها عندما تُفصل عن الحقيقة أو تُستعمل للتلاعب بالعاطفة وتجيش الجماهير. ولهذا فإن التعامل الواعي مع الصورة يتطلب سؤالين معًا ماذا تظهر الصورة وماذا تخفي؟