في قراءتنا للمخططات الحضرية لبعض المدن، كان حديثنا الأسبوع الماضي عن أبها. اليوم من أعالي الجبال إلى شواطئ الخليج. نتحدث عن «الخبر». وإذا كانت أبها استمدت حمضها النووي من تضاريسها، فقد قدر للخبر أن يتزامن نشوؤها وتطورها مع اكتشاف النفط في المنطقة الشرقية من المملكة. وما زال موقع البئر رقم 7 الذي يمثل بداية اكتشاف النفط في المملكة، ماثلا إلى اليوم في أحد أحياء الظهران وهي الجزء التضاريسي من الخبر. بدأت الخبر بعدد من البلوكات حول جامعها الكبير ثم تمددت وفق مخطط شبكي متعامد يحاكي مثيله في مدينة سافانا الأمريكية، عام 1733، ومن قبله مخططات المدن الصناعية في أوروبا، ولدى اليونان قبل ذلك بقرون. واستمر هذا المخطط بالتمدد فردمت البحر شرقا وتوسعت غربا نحو مدينة العمال -عمال أرامكو- والعقربية وبقية الأحياء المجاورة، إلى أن أصبحت على ما هي عليه اليوم.

يمكن في ضوء نمو الخبر تحديد خمسة عناصر رسمت ملامحها، بداية هناك الشريط الساحلي للمدينة. وكأي مدينة ساحلية فإن ساحلها هو خط تعريفها الأول، ليس للخبر فقط، بل لكل المدن الواقعة على الساحل الشرقي للخليج وصولا إلى الكويت. يرسم البحر حدا طبيعيا فاصلا يجعل من ساحل المدينة عنصرا رئيسا في نموها ونمط تخطيطها. ولأن الخبر مدينة ناشئة فقد تغير مسار شريطها الساحلي عدة مرات، تبعا لمخططات المدينة. كورنيش الخبر هو وجهتها السياحية الأولى، إنه مجلس المدينة، وهو المكان الذي ترسم فيه الخبر صورتها لكل من يفد إليها، عن قرب أو بعد.

وإذا كان شارع الأمير تركي هو شريان الحركة الموازي لكورنيش الخبر، فإن شارعي الظهران (طريق خادم الحرمين) وشارع الملك عبدالعزيز يرسمان حدود الخبر في مهدها. الأول يربط الخبر بجميع مناطق المملكة والآخر يربطها بتوأمها وشقيقتها الكبرى الدمام. يوازي شارع الأمير فيصل بن فهد (شارع البيبسي) شارع الظهران. تحدد هذه الشوارع الرئيسة الثلاثة ما أصبح يعرف لاحقا بـ«الخبر الشمالية». ولأننا نعيش أجواء كأس العالم، وكما يقول المعلق الرياضي علي الكعبي، فسنتوقف هنا قليلا أمام الخبر الشمالية. وما أدراك ما الخبر الشمالية. الخبر الشمالية هي المبتدأ والباقي خبر، بفتح الخاء، وإن شئت بضمها. كانت الفيلا بمعناها الغربي الحديث هي نواة النسيج الحضري لهذه المدينة الواعدة في مهدها. كانت الفلل بساحاتها الخضراء تتجاور وتتحاور في صمت، يعرض كل منها نمطا خاصا بالعمارة الحديثة في عصر الستينيات والسبعينيات مرورا بالثمانينيات وصولا إلى التسعينيات. كانت هذه الفلل وساحاتها تتبارى في عرض إبداعاتها. لم تكن هناك أسوار لهذه الفلل، ولم يتجاوز ارتفاع الواحدة منها دورين على الأكثر، وكان الفراغ المحيط بكل فيلا استمرارا لعمارتها. كانت الخبر الشمالية في بداياتها أشبه بمنتجع مفتوح أكثر منها مدينة وظيفية. بمختصر العبارة كانت الخبر الشمالية مثالا يحتذى لمدينة يبدو وكأنها تكتب تاريخها ومستقبلها على صفحة بيضاء.


غير أن تلك الصورة اختفت تماما اليوم، ولم يبق منها سوى النزر اليسير في كتاب الدكتور عبدالله مدني «الخبر...الله ياوطر مضى».

يعتبر التحول العمراني الذي مرت به الخبر الشمالية أحد أهم صور التحول الذي تمر به المدن خلال تمددها الحضري. وعلى عكس مراكز معظم المدن التي تنبعث منها هذه المدن، تتحول هذه المراكز إلى أطلال. لكن الخبر أبت ذلك وها هي تنبعث من جديد. الخبر الشمالية اليوم ورشة عمل لا تهدأ لطائر ينفض جناحيه. نعم لقد اختفت تماما تلك الفيلا التي بنت نسيج الخبر الشمالية، وما زالت هناك بقايا لبعض منها حري بالجهات المختصة أن تحافظ عليها. من الصعب الإحاطة بصور هذا التحول الديناميكي الذي تمر به الخبر الشمالية، لكنه يؤكد على حيوية الجزء التاريخي من الخبر وتكيفها لمتطلبات التغيير الذي تمر به المدينة.

وفي عصر الصورة فإن خط أفق المدينة يستحوذ على النصيب الأكبر من الاهتمام. وهنا ترسم أبراج شارع الأمير تركي خط وبرج مياهها أفق المدينة، ليس ذلك فقط بل تحول الشارع ذاته (امتداد ساحل المدينة) إلى أحد أهم نقاط الجذب في المدينة. هذه العناصر الخمسة (ساحل المدينة وهو شارع الأمير تركي، شارعا الظهران والملك عبدالعزيز، الخبر الشمالية) هي ما شكل الخبر الشمالية.

طائر الفينيق كائن أسطوري ينبعث من رماد احتراقه ليجدد حياته. هذه هي الخبر الشمالية.

من الصعب الإحاطة بصور التحول الديناميكي الذي تمر به الخبر لكنه يؤكد على حيوية الجزء التاريخي منها وتكيفها لمتطلبات التغيير الذي تمر به المدينة.