الوطن

بسام الجيال

منذ فترة، وأثناء عملي على مشروع بحثي أوسع يهدف إلى تتبع الكتابات الغربية المبكرة عن المملكة العربية السعودية وتحليل تطور الصورة التي رسمها الغربيون عنها عبر العقود المختلفة، قادتني رحلة البحث بين المكتبات والأرشيفات إلى اكتشاف نسخة قديمة ونادرة في مكتبة مدينة هلسنكي من كتاب بعنوان «سيد الجزيرة العربية: ابن سعود – دراسة حميمة لملك» (Lord of Arabia: Ibn Saud – An Intimate Study of a King) للمؤلف البريطاني هارولد كلارمونت أرمسترونغ (H. C. Armstrong). وقد صدرت الطبعة الأولى (النسخة الإنجليزية) من هذا الكتاب في لندن عام 1934، أي بعد إعلان قيام المملكة العربية السعودية بعامين فقط، وفي مرحلة تاريخية سبقت اكتشاف النفط بكميات تجارية ضخمة وقبل أن يتحول إلى العامل الرئيسي في الاقتصاد السعودي أو إلى العنصر الأكثر حضورًا في الصورة الذهنية التي يحملها العالم عن المملكة اليوم.



في البداية ظننت أن قيمة الكتاب تكمن في كونه شهادة غربية مبكرة عن الملك عبدالعزيز والدولة السعودية الناشئة. لكن ما أثار اهتمامي أكثر لم يكن ما كتبه المؤلف عن الدولة بعد قيامها، بل ما كتبه في الصفحات (32–39) من الكتاب. ففي هذه الصفحات تحديدًا وجدت وصفًا لمرحلة تمتد تقريبًا من عام 1891 إلى عام 1902، أي السنوات التي سبقت استعادة الرياض، وهي مرحلة تسبق النفط بعقود طويلة وتسبق حتى ظهور الصورة التي يعرف بها العالم المملكة اليوم. وقد لفت انتباهي أن أرمسترونغ، وهو يكتب عام 1934، خصص هذه الصفحات للحديث عن سنوات الصحراء والترحال وتكوين الشخصية والظروف التي سبقت قيام الدولة الحديثة، لا للحديث عن الثروة أو الموارد أو النفوذ السياسي.

مرحلة بحاجة لقراءة

وعند قراءة تلك الصفحات أدركت أن كثيرًا من النقاشات المعاصرة حول السعودية، سواء داخل المملكة أو خارجها، يصعب فهمها دون العودة إلى تلك المرحلة المبكرة من التاريخ. فهناك ميل شائع لاختزال القصة السعودية كلها في النفط، وكأن التاريخ يبدأ من لحظة اكتشافه. لكن الصفحات التي كتبها أرمسترونغ قبل أكثر من تسعين عامًا تروي قصة مختلفة تمامًا؛ قصة مجتمع ودولة وتجربة إنسانية تشكلت قبل النفط، ونمت قبل النفط، وواجهت تحدياتها قبل النفط. ومن هنا جاءت الفكرة الأساسية لهذا المقال: لماذا يحتاج السعوديون اليوم إلى قراءة هذه المرحلة من تاريخهم؟

الجواب يبدأ من حقيقة بسيطة، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم أين يقف اليوم إذا لم يعرف من أين بدأ الطريق. وكثير من النقاشات التي تدور اليوم حول المملكة تدور وكأن التاريخ السعودي بدأ مع النفط. بعض الناس في الخارج يختزلون السعودية كلها في النفط، وبعض أبناء الجيل الجديد داخل المملكة نشأوا في دولة حديثة ذات بنية تحتية متطورة وجامعات ومطارات وشبكات طرق ومدن عالمية ومشاريع عملاقة، حتى أصبح من السهل نسيان أن كل ذلك لم يكن موجودًا قبل فترة ليست طويلة في عمر الأمم.

مجتمع ما قبل النفط

حين يقرأ الإنسان هذه الصفحات القديمة يدرك فجأة حجم التحول الذي حدث خلال قرن واحد فقط. يدرك أن القصة السعودية ليست قصة آبار نفط اكتشفت تحت الرمال ثم تحولت تلقائيًا إلى دولة قوية ومؤثرة. التاريخ الذي يرويه هذا الكتاب يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. يقول إن هناك جيلاً عاش سنوات طويلة في بيئة صحراوية قاسية، وتنقل عبر مناطق الجزيرة العربية، وتعلم الصبر والتحمل والانضباط والعمل تحت الضغط وقبول المخاطر. ويصف المؤلف كيف عاش الشاب عبدالعزيز في البادية بين القبائل، وكيف تعلم مهارات الصحراء والسفر الطويل وقيادة الإبل وقراءة آثار الأقدام في الرمال وتحمل الجوع والعطش وقسوة الطبيعة. ويصف كيف كانت الحياة نفسها مدرسة يومية في بناء الشخصية.



إن أهمية الصفحات (32–39) لا تكمن فقط في المعلومات التاريخية التي تقدمها، بل في الصورة التي ترسمها عن مجتمع كامل قبل عصر النفط. فهي تنقل القارئ إلى فترة كان فيها بناء الإنسان أهم من بناء الثروة، وكانت القدرة على التحمل والتكيف مع البيئة القاسية جزءًا من الحياة اليومية. ومن الصعب فهم كثير من عناصر الشخصية السعودية الحديثة دون فهم تلك البيئة التي تشكلت فيها الأجيال الأولى التي عاشت تلك المرحلة.

تراكم تاريخي طويل

هذه التفاصيل قد تبدو للبعض مجرد حكايات تاريخية قديمة، لكنها في الحقيقة جزء من تفسير الحاضر. فالدول لا تُبنى فجأة، والمجتمعات لا تتغير بين ليلة وضحاها. ما نراه اليوم في المملكة هو نتيجة مسار طويل من التراكم التاريخي. وعندما ينظر الإنسان إلى المسافة الهائلة بين تلك السنوات والسعودية الحالية، فإنه يبدأ بفهم أن النفط كان عاملًا مهمًا في التنمية، لكنه لم يكن نقطة البداية الحقيقية للقصة.

إن أخطر خطأ يمكن أن يقع فيه أي مجتمع هو أن يختصر تاريخه في مرحلة واحدة فقط. فحين تختزل السعودية في النفط فإنك لا تظلم الماضي فقط، بل تسيء أيضًا إلى فهم الحاضر والمستقبل. لأن هذا الاختزال يوحي بأن كل ما تحقق كان نتيجة مورد طبيعي ظهر تحت الأرض. بينما قراءة هذه المرحلة المبكرة من التاريخ تكشف أن الأساس كان موجودًا قبل النفط بوقت طويل. كانت هناك إرادة. وكان هناك طموح. وكانت هناك قدرة على التكيف مع أقسى الظروف. وكانت هناك رغبة في البناء والاستمرار رغم محدودية الإمكانات.

فهم طبيعة تحول السعودية

ولهذا فإن السعوديين يحتاجون إلى إعادة قراءة هذه المرحلة اليوم أكثر من أي وقت مضى. ليس بدافع الحنين إلى الماضي، وليس من أجل تمجيد الصعوبات القديمة، بل لأن هذه المرحلة تساعد على فهم طبيعة التحول الذي تعيشه المملكة الآن. فعندما يتحدث المسؤولون عن التنويع الاقتصادي، وعن تقليل الاعتماد على النفط، وعن بناء اقتصاد قائم على المعرفة والتقنية والاستثمار والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية، فإن البعض يتعامل مع هذه الأفكار وكأنها قفزة غير مسبوقة في التاريخ السعودي. لكن من يقرأ التاريخ يرى شيئًا مختلفًا. يرى أن التكيف مع التحولات كان دائمًا جزءًا من التجربة السعودية نفسها.

وربما تكمن أهمية هذه القراءة في أنها تمنح الأجيال الجديدة منظورًا مختلفًا تجاه الحاضر. فالكثير من الشباب السعودي وُلد في دولة حديثة تمتلك بنية تحتية متقدمة وجامعات ومطارات وشبكات طرق ومدن اقتصادية ومشاريع عملاقة. وهذا أمر طبيعي، لكنه قد يجعل بعض الناس ينظرون إلى هذه الإنجازات وكأنها كانت موجودة دائمًا. أما العودة إلى تلك المرحلة المبكرة من التاريخ فتُظهر حجم المسافة التي قطعتها المملكة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا في عمر الأمم. إنها تذكر القارئ بأن ما يراه اليوم لم يكن أمرًا حتميًا أو مضمونًا، بل نتيجة تراكم طويل من العمل والصبر والقرارات الصعبة والتحولات المتتابعة التي شاركت فيها أجيال متعددة.



من هذه الزاوية يصبح التاريخ أكثر من مجرد سرد للماضي. فهو يتحول إلى أداة لفهم الحاضر. فحين يناقش السعوديون اليوم قضايا الاقتصاد والتعليم والتقنية والابتكار والذكاء الاصطناعي والصناعة والسياحة والاستثمار، فإن فهم البدايات يمنحهم قدرة أكبر على قراءة هذه التحولات ضمن سياق تاريخي أوسع. فالمملكة لا تعيش اليوم أول تحول كبير في تاريخها، بل تعيش فصلًا جديدًا من سلسلة طويلة من التحولات التي عرفتها منذ نشأتها. والفرق أن أدوات التغيير اختلفت، أما القدرة على التكيف وإعادة البناء فقد بقيت عنصرًا ثابتًا في التجربة السعودية.

الإرادة السياسية والروابط الاجتماعية

والأهم من ذلك أن هذه المرحلة المبكرة من التاريخ تقدم درسًا مهمًا في مسألة كثيرًا ما يُساء فهمها داخل المملكة وخارجها على حد سواء. فهناك من يتحدث عن النفط وكأنه أصل كل شيء، وكأن الدولة والمجتمع والمؤسسات والتنمية كلها نتاج مباشر لظهور هذا المورد الطبيعي. لكن قراءة تلك السنوات التي سبقت النفط تفرض استنتاجًا مختلفًا تمامًا. فهي تظهر أن الأساس كان موجودًا قبل النفط بوقت طويل؛ كانت هناك إرادة سياسية، وكانت هناك روابط اجتماعية، وكانت هناك قدرة على الصبر والتحمل، وكانت هناك رؤية لبناء الدولة. النفط سرّع التنمية ووسع الإمكانات وفتح آفاقًا جديدة، لكنه لم يخلق هذه العناصر من العدم.

واللافت أن هذه النتيجة لا تفرضها الخطابات السياسية ولا المقالات الصحفية ولا التحليلات الاقتصادية، بل يفرضها التاريخ نفسه. فحين يقرأ القارئ وصف الحياة في الجزيرة العربية قبل أكثر من مئة وعشرين عامًا، ثم ينظر إلى الجامعات السعودية ومراكز الأبحاث والمناطق الاقتصادية والصناعات المتقدمة والمطارات الحديثة والمشاريع الكبرى التي يجري تنفيذها اليوم، فإنه يدرك أن هناك قصة أكبر بكثير من قصة النفط. هناك قصة مجتمع استطاع أن يعيد تعريف نفسه أكثر من مرة خلال قرن واحد فقط.

قدم العلاقة بين الدولة والمجتمع

وربما لهذا السبب تحديدًا بدت لي عبارة الأمير محمد بن سلمان عندما قال إن السعوديين كانوا مع الملك عبدالعزيز قبل النفط أكثر عمقًا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فهذه العبارة لا تتحدث عن الاقتصاد، بل عن التاريخ. ولا تتحدث عن مورد طبيعي، بل عن المجتمع نفسه. إنها تذكير بأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تبدأ مع اكتشاف النفط، وأن التجربة السعودية لم تبدأ عندما تدفق أول العائدات النفطية، وأن هناك فصولًا كاملة من هذه القصة كُتبت قبل النفط بوقت طويل.

وعندما نقرأ الصفحات (32–39) التي كتبها أرمسترونغ عام 1934 ندرك أن المسألة لا تتعلق بالماضي فقط. فالتاريخ نفسه يقدم استنتاجًا واضحًا. المجتمع الذي استطاع أن يبني دولة قبل النفط، وأن يحافظ عليها قبل النفط، وأن يتجاوز تحديات هائلة قبل النفط، هو مجتمع لا يمكن تفسير نجاحه بالنفط وحده. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا سيحدث عندما يتراجع دور النفط في المستقبل، بل ما الذي يستطيع أن يحققه مجتمع يمتلك اليوم رأس المال البشري والتعليم والخبرة والمؤسسات والتقنية والانفتاح العالمي، بعد أن استطاع سابقًا أن يحقق الكثير بإمكانات أقل بكثير؟