الوطن

قبل أيام قليلة كنت أجلس بين أهلي وأحبتي أستعيد بعض الذكريات وأسترجع وجوهاً غابت عن أعيننا وما غابت عن قلوبنا، فإذا بالحياة تفتح صفحة جديدة من صفحات الابتلاء التي لا ينجو منها أحد، وقبل يومين ودعنا أخي الحبيب حسن بن محمد آل الشيخ، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

وفي يوم الجمعة ولأداء صلاتها بجامع الأميرة سلطانة السديري بحي القدس بمدينة الرياض، استمع الجميع إلى خطبة الخطيب بالنيابة: أخونا / جمعان الدوسري -وفقه الله- والتي توفق في اختيار موضوعها، وكأنه يلامس مدى الحزن والفراق: (تتحدث عن اسم من أسماء الله الحسنى، اسم يبعث الطمأنينة في النفوس ويزرع الرضا في القلوب : اللَّه لطيف بعباده﴾. وكأن كلمات الخطبة كانت تخاطب أحزاننا وآلامنا وتقول لنا إن ما يجري في هذه الحياة من أقدار إنما يجري بعلم الله وحكمته ولطفه ورحمته.

قبل سنوات فقدنا والدنا الغالي الشيخ محمد بن عبدالوهاب آل الشيخ -رحمه الله-، وفقدنا أيضاً والدتنا الحبيبة .. صالحة بنت محمد الغامدي، رحمها الله، وكان لفقدهما أثر لا ينسى؛ فالأب والأم ليسا مجرد فردين في الأسرة بل هما الذاكرة والدفء والطمأنينة والدعاء والظلٌ الذي نستظل به بعد الله، وحين يغيب الوالدان يشعر الأبناء (أن شيئاً من البيت قد رحل، وأن ركناً من أركان العمر قد انكسر)!! مهما بلغ الأبناء من العمر أو المكانة أو الخبرة.

ثم لم تمضِ إلا أشهر حتى ودعنا أخي عبد العزيز -رحمه الله- فازداد الحزن حزناً، وبقيت الذكريات تتردد في المجالس واللقاءات والمناسبات، وجاءت الأيام الماضية لتضيف فصلاً جديداً من فصول الفقد برحيل أخي حسن -رحمه الله-.

ولعل فقد الأخ أو الأخت من أشد ما يمر على الإنسان بعد فقد والديه، لأن الأخ ليس مجرد قريب بل هو شريك العمر ورفيق الذكريات ومرآة الطفولة والشباب وصاحب المواقف التي لا تُنسى.

بعض من الأخوان هو الذي يشاركك أفراحك قبل الآخرين ويحزن لحزنك دون تكلف، ويفهم صمتك قبل كلامك، فإذا غاب ترك في القلب فراغاً لا يملؤه أحد، وبقيت صورته حاضرة في كل مناسبة ومجلس وذكرى، لكن المؤمن يعلم أن الدنيا دار عبور لا دار بقاء، وأن اللقاء الحقيقي بإذن الله هناك، حيث لا فراق ولا أحزان ولا آلام. ومن لطف الله بعباده أنه يربط على القلوب عند المصائب ويمنح الصابرين من السكينة والرضا ما يعجز اللسان عن وصفه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿اللَّه لطيف بعباده﴾.

واليوم، ونحن نستذكر والدينا الكريمين، وأخوينا عبد العزيز وحسن، رحمهم الله جميعاً، فإننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون. وباِسمي وأسرتي وأبنائي والأخوان والأخوات وأبناء وبنات من فقدناهم نقدم جزيل الشكر لكل من واسانا حضوريا أو هاتفياً أو برقيا من أصحاب السمو الملكي الأمراء، وأصحاب الفضيلة والمعالي والسعادة، وجيران وأصدقاء من فقدناهم، مواساتكم كم كان لها من أثر بنفوسنا، ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يغفر لهم وموتانا جميعاً، وأن يوسع لهم في قبورهم وأن يجعلها روضة من رياض الجنة، وأن يجزيهم عنا خير الجزاء، وأن يجمعنا بهم في مستقر رحمته.

كما نسأله سبحانه أن يبارك في أبنائهم وبناتهم وأحفادهم وأن يجعلهم خير خلف لخير سلف وأن يرزقهم التوفيق والصلاح والبركة، وأن يؤلف بين القلوب ويجمع شمل الأسرة على المحبة والتراحم والتعاضد وصلة الرحم. فالأسرة المتماسكة ((هي أعظم هدية يتركها الآباء والأمهات)) والأشقاء بعد رحيلهم، وهي الصدقة الجارية التي تبقي ذكرهم حياً في النفوس. ونسأله أن يجعل في أخويهما: عبد الوهاب وفيصل وأخواتهما الخير والبركة، ورحم الله والدينا ورحم أخوينا عبد العزيز وحسن، ورحم جميع موتى المسلمين، وجعل ما أصابنا رفعة في الدرجات وكفارة للسيئات، وأبدلنا بعد الصبر أجراً وبعد الفقد لقاءً في جنات النعيم.

﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾.

ولا تشتكي من الأيام فليس لها

بديـــــــــــــــــــــــــــل

ولا تبكي على الدنيا ما دام آخرها

الرحــــــــــــــــــــــــيل

واجعل ثقتك بالله دوماً فليس لها

مثـــــــــــــــــــــــــــيل

وتوكل على الله الواحد الأحد حق التوكل فإنه على كل شيء

وكــــــــــــــــــــــــــيل

واشغل حياتك بعمل وذكر وشكر تجد كل ما فيها جمـــــــــــــــــــــــــيل

وأكثر من الاستغفار فإنه للهموم والكرب

يُزيــــــــــــــــــــــــــل

* عبدالله بن محمد آل الشيخ