خلال حديث مع زميل عمل خارج المملكة، أخبرته أنني أقضي إجازتي الصيفية في الباحة، موطني ومسقط رأسي. فسألني وما الذي يُميز الباحة؟ أليست كأي منطقة أخرى في المملكة ذات طبيعة صحراوية ومناخ جاف؟
أثار سؤاله - في نفسي - الصورة النمطية التي لا تزال عالقة في أذهان الكثيرين عند الحديث عن المملكة؛ صورة تختزل وطناً مترامي الأطراف في مشهد واحد من الرمال والصحراء لكن ما استوقفني حقاً رغم ما تشهده المملكة من تحولات تنموية وما تزخر به من تنوع طبيعي لافت أن كثيراً لا يدركون أن المملكة تخبى في تضاريسها المتنوعة ثروات طبيعية قد يجهلها الكثيرون، وأن هناك مناطق تكتسي بالخضرة معظم العام وتتعانق فيها السحب والضباب مع قمم الجبال في مشاهد قد يصعب على من لم يعشها أو يشاهدها أن يتخيل وجودها بالمملكة وأنها تحتضن مساحات واسعة من الغابات الطبيعية أبرزها الممتدة عبر المرتفعات الجنوبية الغربية، حيث تتدرج ألوان الطبيعة إلى خضرة الجبال، وتُصبح الغيوم والضباب جزءا من المشهد اليومي في فصول كثيرة. لذا، قررت أن أترك الطبيعة تتحدث عن نفسها. أمسكتُ بهاتفي وتوجهتُ لغابة رغدان، إحدى أجمل البيئات الطبيعية التي نشأتُ بين ربوعها. بدأتُ بالتقاط صور للأشجار الكثيفة التي تُعانق الضباب، والمنحدرات المُطلّة على سهول تهامة البعيدة، والسحب المنخفضة التي تنجرف بين قمم الجبال وكأنها جزءٌ من المشهد.
أرسلتُ الصور لزميلي، وفي غضون دقائق، انهالت الرسائل. سألني بدهشة: «هل هذه الصور حقاً من المملكة؟» حينها أدركتُ الفجوة الشاسعة بين الصورة النمطية الشائعة عن المملكة وواقعها الطبيعي الغني والمتنوع. فالغابات الطبيعية في المملكة ليست استثناءً نادراً؛ فهي أحد أهم النظم البيئية، وتلعب دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن البيئي واستدامة الموارد الطبيعية، تُسهم في حماية التنوع الحيوي، تنظيم دورة المياه، الحفاظ على التربة، والتخفيف من آثار تغير المناخ والتصحر. تشير التقديرات إلى أن مساحة الغابات الطبيعية في المملكة تبلغ حوالي 2.7 مليون هكتار، وتتركز بشكل رئيسي في المرتفعات الجنوبية الغربية الممتدة فوق جبال السراوات من الطائف إلى جازان، وتتوزع بين الغابات الجبلية، الغابات شبه الدافئة وغابات الوديان والمروج الرعوية، إضافة إلى غابات الشورى (المانجروف) على السواحل.
كانت غابة رغدان خير مثالٍ يُمكنني تقديمه له لفهم هذه الثروة الطبيعية. تقع الغابة في جبال السراوات غرب الباحة، على ارتفاع يزيد على 1700 متر فوق سطح البحر، وهي ليست فقط خلابة بصرياً، بل تُمثل أيضاً نظاماً بيئياً حيوياً ومتكاملاً. يُعرّضها موقعها الجبلي لكتل هوائية رطبة قادمة من البحر الأحمر، مما يُؤدي إلى تكوّن السحب والضباب بكثرة، وبخاصة خلال فصل الصيف. لا تُضفي هذه الظاهرة جمالاً على المنطقة فحسب، بل تُؤدي أيضاً وظيفة بيئية مهمة تُعرف باسم «حصاد الضباب»، حيث تتكثف قطرات الماء على الأوراق والأغصان ثم تتسرب إلى التربة، مُوفرة مصدراً إضافياً للرطوبة والماء في البيئة الجبلية. وبينما كنتُ أُرسل الصور انتابني شعورٌ مُختلف. وسط هذا الجمال الآسر، أذهلتني ضخامة التحديات التي تُواجه هذا النظام البيئي الفريد. ما بدا لزميلي تحفة طبيعية متقنة الصنع، رأيته أنا أيضاً تراثاً طبيعياً هشاً يواجه ضغوطاً متزايدة عاما بعد عام. تعاني أشجار العرعر، التي تُشكل العمود الفقري للنظام البيئي في رغدان، من انخفاض معدلات التجدد الطبيعي في العديد من المناطق الجبلية. لا توفر هذه الأشجار المعمرة الظل والجمال فحسب، بل تلعب أيضاً دوراً حيوياً في تثبيت التربة، الحد من التعرية، الحفاظ على توازن الرطوبة في البيئة الجبلية. علاوة على ذلك، يُشكل تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتقلب أنماط هطول الأمطار تحديات متزايدة لاستدامة الغابة وقدرتها على أداء وظائفها البيئية. إضافة الى الضغط الناتج عن تزايد أعداد الزوار، وهو تحدٍّ تواجهه العديد من المتنزهات الطبيعية حول العالم. تمثل السياحة البيئية مورداً اقتصادياً مهماً لمنطقة الباحة، إذ تُسهم في تنشيط القطاعات التجارية، الخدمية وتوفير فرص العمل. ومع ذلك، فهي تتطلب أيضاً إدارة واعية تضمن التوازن بين الاستمتاع بالطبيعة والحفاظ عليها، وبالتالي حماية التربة والنباتات والتنوع الحيوي من التدهور.
عندما انتهيت من الحديث مع زميلي، شعرت أنني لم أُعرّفه فقط على غابة رغدان، بل أيضاً على جانب مهم من تاريخ المملكة؛ تاريخ أمة نجحت في جعل حماية مواردها الطبيعية جزءاً لا يتجزأ من رؤيتها المستقبلية. لهذا السبب، وفي إطار رؤية المملكة 2030، أولت المملكة بتوجيه القيادة حفظهم الله، العديد من المبادرات الوطنية الرامية إلى تعزيز الاستدامة البيئية. ويعكس هذا وعياً متزايداً بأهمية الغابات كأصول بيئية واستراتيجية تسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز الأمن البيئي والمائي، وتحقيق التنمية المستدامة.
أغلقتُ هاتفي بعد انتهاء المكالمة، لكن فكرة واحدة ظلت عالقة في ذهني: إن مسؤوليتنا تجاه رغدان، وغيرها من الكنوز الطبيعية لوطننا، تتجاوز مجرد حمايتها والحفاظ عليها. فهي تشمل أيضاً نشر الوعي عنها ومشاركة قصتها مع العالم. فكم من الصور النمطية تتبدد بكلمة صادقة أو صورة واحدة، وكم منا يكتشف جانباً جديداً من وطنه؟
لذلك، يتحمل كل مواطن، بغض النظر عن مهنته أو منصبه، مسؤولية وطنية: أن يكون سفيراً للمملكة أينما كان، يعكس جوهرها الحقيقي للعالم بكل تنوعها وجمالها وإمكانياتها. في الوقت نفسه، يبقى الحفاظ على هذه الموارد الطبيعية، واجباً، وطنياً وأخلاقياً. إنها ليست مجرد أماكن نستمتع بجمالها اليوم، بل هي إرثٌ تناقلته الأجيال السابقة، وأمانةٌ يجب أن نسلمها للأجيال القادمة بشكل أكثر ازدهاراً واستدامة. غابة رغدان وغيرها من الكنوز المماثلة لا تنتمي إلى جيل واحد؛ إنها جزء من ذاكرة الأمة وهويتها البيئية، وشاهد حيٌ على العلاقة العميقة بين الإنسان والطبيعة.
وهكذا، تبقى رغدان في ذهني وذهن زميلي أكثر من مجرد وجهة سياحية أو متنزه طبيعي؛ بقيت شاهداً حياً على ثراء طبيعة المملكة، وعلى المسؤولية المشتركة للحفاظ عليها، حتى تظل هذه المشاهد التي أذهلت زميلي اليوم مصدر فخر وإلهام للأجيال القادمة.