سليمان بن داوود الرشيد

بين طموح الاحتراف العالمي وضياع فرص اللاعب المحلي وعزوف الجيل الجديد عن الملاعب..

تعيش كرة القدم السعودية مرحلة تحول غير مسبوقة؛ فقد نجح دوري روشن السعودي للمحترفين في استقطاب نخبة من أبرز نجوم العالم، وأصبح محط أنظار وسائل الإعلام الرياضية العالمية. غير أن هذا الصعود اللافت على مستوى الأندية لم ينعكس بالقدر المأمول على المنتخب الوطني ولا على تطوير اللاعب السعودي، بل ظهرت مؤشرات مقلقة تستدعي وقفة صادقة ومراجعة شاملة، خاصة بعد الخروج المبكر للمنتخب من دور المجموعات في كأس العالم الأخيرة. ويتناول هذا المقال سببين جوهريين لبطء التقدم: أولهما نظام اللاعبين الأجانب الذي ضيّق الفرص أمام اللاعب المحلي، وثانيهما عزوف النشء عن ممارسة اللعبة والاكتفاء بالمشاهدة والألعاب الإلكترونية، مع طرح حلول عملية مجتمعية لمعالجة الظاهرتين.

أولا: نظام اللاعبين الأجانب.. سلاح ذو حدين

تسمح اللوائح الحالية لكل نادٍ في دوري روشن بتسجيل عشرة لاعبين أجانب في قائمته، يشارك ثمانية منهم في قائمة المباراة الواحدة، بينما يبقى اللاعبان الآخران على أهبة الاستعداد خارج القائمة. وإذا افترضنا أن الأندية تدفع بمعظم محترفيها الأجانب في التشكيلة الأساسية ــ وهو ما يحدث فعليًا في أغلب المباريات ــ فإن ما يتبقى للاعب السعودي من مقاعد التشكيلة الأساسية لا يتجاوز ثلاثة أو أربعة مراكز، غالبًا ما يكون أحدها مركز حراسة المرمى.

النتيجة المباشرة لهذه المعادلة أن اللاعب السعودي الشاب يجد نفسه أمام باب شبه موصد؛ فالمراكز الحساسة ــ من صناعة اللعب والهجوم وقلب الدفاع ــ باتت حكرًا على المحترف الأجنبي، وتحوّل كثير من المواهب الوطنية إلى مقاعد البدلاء أو إلى الإعارات المتكررة، ففقدوا الاحتكاك التنافسي المنتظم الذي لا تُصقل الموهبة إلا به. وحين يحين موعد الاستحقاقات الدولية، يُطلب من المنتخب الوطني أن يقدم أداءً عالميًا بلاعبين لا يحصلون على دقائق لعب كافية في دوريهم المحلي، وهي معادلة يصعب أن تستقيم.

لا يعني ذلك المطالبة بإلغاء الاحتراف الأجنبي، فوجود النجوم العالميين رفع القيمة الفنية والتسويقية للدوري ومنح اللاعب السعودي فرصة الاحتكاك بمستويات عالية. لكن المطلوب هو التوازن: ربط عدد الأجانب المشاركين بحد أدنى إلزامي من دقائق اللعب للاعبين الشباب السعوديين، وتحفيز الأندية ماليًا على إشراك المواهب المحلية وتصديرها للاحتراف الخارجي، بحيث يتحول الأجنبي من بديل يحل محل اللاعب السعودي إلى معلم يرتقي به.

ثانيًا: جيل يشاهد ولا يلعب

الأزمة الثانية أعمق أثرًا على المدى البعيد، وتتمثل في تراجع ممارسة كرة القدم بين الأطفال والشباب. فقد تحوّل قطاع واسع من الجيل الجديد من لاعبين في ساحات الأحياء إلى مشاهدين خلف الشاشات؛ يتابعون المباريات ويحفظون أسماء النجوم وإحصاءاتهم، ثم يستبدلون الجري في الملعب بأصابع تتحرك على أذرع التحكم في ألعاب الفيديو لساعات طويلة.

لهذا النمط من الحياة كلفة صحية باهظة على النشء: قلة الحركة والجلوس الطويل يرفعان معدلات السمنة والضعف البدني في سن مبكرة، ويؤثران سلبًا على اللياقة القلبية والعضلية، فضلًا عن الأثر النفسي والاجتماعي للعزلة خلف الشاشات وتراجع مهارات التواصل والعمل الجماعي التي كانت ساحات الأحياء مدرستها الأولى. والأخطر من ذلك أن قاعدة الهرم الكروي تتآكل؛ فالمنتخبات القوية لا تُبنى من فراغ، بل من ملايين الأقدام الصغيرة التي تركض خلف الكرة في كل حي ومدرسة، ومنها تُنتقى النخبة.

ثالثًا: الحل يبدأ من المدرسة والحي

المملكة تمتلك بنية تحتية هائلة غير مستغلة الاستغلال الأمثل: آلاف المدارس بملاعبها وصالاتها التي تُغلق أبوابها بعد انتهاء اليوم الدراسي، وساحات وملاعب الأحياء المنتشرة في المدن. تفعيل هذه المرافق يمكن أن يعيد الكرة إلى أقدام الصغار دون حاجة إلى استثمارات ضخمة، شريطة أن يتم ذلك ضمن منظومة منضبطة ومشرَف عليها، لا بشكل عشوائي.

ويُقترح أن تقوم هذه المنظومة على شراكة متكاملة بين أربعة أطراف، لكل منها دور واضح:

الأندية الرياضية: تتولى الإشراف الفني، بتوفير مدربين معتمدين وبرامج تدريبية مبسطة للفئات السنية، وتنظيم دوريات للأحياء والمدارس تكون روافد حقيقية لاكتشاف المواهب وضمها لأكاديمياتها.

وزارة التعليم والمدارس: تفتح ملاعبها ومرافقها الرياضية بعد الدوام المدرسي وفي الإجازات، ضمن جداول منظمة وبإشراف تربوي يضمن سلامة الاستخدام.

البلديات (الأمانات): تتكفل بتأهيل ملاعب الأحياء وصيانتها وإنارتها، وتخصيص ساحات آمنة في المخططات السكنية الجديدة، بحيث يكون الملعب مرفقًا أساسيًا في كل حي كالمسجد والحديقة.

الشرطة ولجان (اتحادات) الأحياء: توفر الغطاء الأمني والرقابة المجتمعية، بتنظيم أوقات استخدام الملاعب، والتحقق ممن يشرفون على الصغار، وحماية الناشئة من رفقاء السوء ومن أي استغلال أو سلوكيات دخيلة، بحيث يطمئن ولي الأمر أن ابنه يلعب في بيئة آمنة تحت أعين موثوقة.

بهذه الشراكة تتحول ممارسة كرة القدم من نشاط عشوائي محفوف بمخاوف الأهالي إلى منظومة وطنية منظمة: المدرسة والحي يوفران المكان، والنادي يوفر التدريب والاكتشاف، والبلدية تضمن جاهزية المرافق، والشرطة ولجنة الحي تضمنان الأمان. وهكذا يجد كل طفل ملعبًا آمنًا على بعد خطوات من منزله، ويجد الكشافون قاعدة واسعة من المواهب المصقولة.

ختامًا إن تطوير كرة القدم السعودية لا يتحقق بالاستقطاب وحده مهما بلغت أسماء النجوم، بل بمعادلة متوازنة: قمة احترافية تمنح اللاعب السعودي فرصته العادلة في المشاركة والتطور، وقاعدة شعبية عريضة تعيد الأطفال من خلف الشاشات إلى الملاعب في بيئة آمنة ومنظمة. فالاستثمار في ساحة الحي وملعب المدرسة اليوم هو الاستثمار الحقيقي في نجم المنتخب غدًا، وفي صحة جيل كامل قبل ذلك. ورؤية المملكة 2030 التي جعلت من جودة الحياة والرياضة المجتمعية ركيزة أساسية، توفر المظلة المثالية لتحويل هذه المقترحات إلى واقع ملموس.