خالد بن سرحان المطيري

حين ننظر إلى خريطة العالم الصناعي، نجد دولًا لم تمنحها الطبيعة نفطًا ولا غازًا ولا ثروات معدنية ضخمة، ومع ذلك أصبحت تصنع الطائرات والسيارات والسفن والرقائق الإلكترونية وأجهزة الفضاء. البرازيل صنعت طائرة تنافس عمالقة العالم، واليابان نهضت من تحت رماد الحرب لتصبح رمزًا للصناعة، وكوريا الجنوبية انتقلت خلال نصف قرن من الفقر إلى تصدير التكنولوجيا، والصين تحولت من "مصنع العالم" إلى أحد أكبر مبتكريه.

أما المملكة العربية السعودية، فقد امتلكت المال، والطاقة، والاستقرار، والموقع الجغرافي، والأسواق، لكنها لم تتحول بعد إلى قوة صناعية تضاهي مكانتها الاقتصادية. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: أين يكمن الخلل؟

الخلل ليس في المال، فالمال وقود التنمية وليس التنمية نفسها. ولو كان المال وحده يصنع الحضارات، لكانت كل الدول الغنية بالنفط في مقدمة الأمم الصناعية. لكن التاريخ يعلمنا أن الصناعة لا تخرج من خزائن الأموال، بل من مختبرات البحث، ومن الجامعات، ومن المصانع، ومن عقول المهندسين، ومن تراكم الخبرة جيلاً بعد جيل.

إن الصناعة ليست شراء آلات حديثة، وإنما بناء منظومة معرفية متكاملة. فالطائرة لا يصنعها مصنع واحد، بل آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تنتج ملايين القطع الدقيقة، ويقف خلفها عشرات الآلاف من العلماء والمهندسين والفنيين، وسنوات طويلة من البحث والتجريب.

لقد ركزت كثير من الاقتصادات الريعية على استيراد التقنية أكثر من إنتاجها، وعلى شراء الحلول أكثر من ابتكارها. ومع مرور الزمن أصبحت الفاتورة أكبر، بينما بقيت المعرفة عند من صنع التقنية لا عند من اشتراها.

وهنا يكمن جوهر القضية: الفرق بين اقتصاد يستهلك المعرفة، واقتصاد ينتج المعرفة.

فالدول الصناعية لا تبدأ من خطوط الإنتاج، بل تبدأ من المدارس. تبدأ حين يصبح تعليم الرياضيات والفيزياء والهندسة مشروعًا وطنيًا، وحين تتحول الجامعات إلى مصانع للأفكار، لا مجرد قاعات للمحاضرات، وحين يصبح الباحث أكثر قيمة من المبنى الذي يعمل فيه.

كما أن الصناعة تحتاج إلى بيئة تسمح بالفشل قبل النجاح. فلا توجد دولة صناعية لم تخسر آلاف التجارب قبل أن تنجح في تجربة واحدة. أما إذا كان الخطأ يُعاقب، والمغامرة تُخشى، والابتكار يُقابل بالتردد، فإن الصناعة ستظل أسيرة الاستيراد.

وهناك خلل آخر لا يقل أهمية، وهو ضعف الترابط بين الجامعات والقطاع الصناعي. ففي الدول المتقدمة، يولد كثير من الاختراعات داخل الجامعات ثم تتحول إلى شركات ومنتجات وأسواق. أما عندما تبقى الأبحاث حبيسة الرفوف، فإن المعرفة لا تتحول إلى اقتصاد.

ومن الأخطاء أيضًا الاعتقاد بأن إنشاء مدينة صناعية يعني قيام صناعة وطنية. فالمدن الصناعية قد تستضيف مصانع للتجميع، لكن القيمة الحقيقية تكمن في امتلاك التصميم، وبراءات الاختراع، والهندسة، وسلاسل الإمداد، والقدرة على تطوير المنتج عامًا بعد عام.

إن الصناعة ليست مشروع خمس سنوات، بل مشروع خمسين سنة. وهي تحتاج إلى ثبات في السياسات، واستمرار في الاستثمار في الإنسان، وصبر على النتائج، وإيمان بأن أعظم الثروات ليست تحت الأرض، بل داخل العقول.

وإذا أرادت المملكة أن تصبح قوة صناعية عالمية، فإن الطريق واضح، وإن كان طويلًا:

- الاستثمار المكثف في البحث العلمي والتطوير.

- ربط الجامعات مباشرة بالصناعة.

- بناء شركات وطنية قادرة على التصميم قبل التصنيع.

- دعم الصناعات الصغيرة المغذية للصناعات الكبرى.

- تشجيع ثقافة الابتكار وبراءات الاختراع.

- جعل نقل التقنية مرحلة مؤقتة، لا غاية دائمة.

- الاستثمار في الكفاءات السعودية وتأهيلها لقيادة الصناعات المتقدمة.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُقاس بما تملكه من آبار النفط، بل بما تملكه من آبار المعرفة. فالبترول قد يصنع ثروة، لكنه لا يصنع حضارة. أما العلم، فإنه يصنع الثروة والحضارة معًا.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: لماذا لم نصبح دولة صناعية؟ بل: هل بدأنا بالفعل في بناء الإنسان الذي سيصنع الصناعة بعد عشرين أو ثلاثين عامًا؟

فحين يصبح الباحث أهم استثمار، والمهندس أغلى مورد، والمختبر أغلى من المستودع، عندها فقط لن يكون السؤال: متى نصنع الطائرة؟ بل سيكون: أي طائرة جديدة سيصنعها أبناؤنا غدًا؟