حسن القبيسي

في عالم كرة القدم، هناك نجوم يلمعون لسنوات، وهناك أساطير تبقى خالدة مهما تعاقبت الأجيال.

وفي قمة هذه الأساطير يقف ليونيل ميسي، اللاعب الذي لم يكتفِ بحصد البطولات والأرقام القياسية، بل غيّر مفهوم العظمة داخل المستطيل الأخضر، حتى أصبح اسمه مرادفًا للإبداع الكروي.

منذ أن ارتدى قميص برشلونة طفلًا نحيلًا يحمل حلمًا كبيرًا، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول ذلك الفتى الأرجنتيني إلى أكثر اللاعبين تأثيرًا في تاريخ اللعبة. لم يعتمد ميسي على القوة البدنية أو التصريحات المثيرة، أو عدد المتابعين في مختلف وسائل التواصل، أو عدد مشاهدات مقاطع اليوتيوب ؛ بل جعل الكرة تتحدث عنه، فكانت مراوغاته لغة يفهمها العالم، وكانت أهدافه رسائل خالدة في ذاكرة كرة القدم.

وخلال أكثر من عقدين، صنع ميسي مسيرة استثنائية تجاوز فيها حاجز 900 هدف رسمي، وأسهم بأكثر من 400 تمريرة حاسمة، ليصبح واحدًا من أعظم الهدافين وصناع اللعب في تاريخ كرة القدم. أرقام يصعب على أي لاعب الاقتراب منها، لأنها جاءت مصحوبة بثبات مذهل واستمرارية نادرة في أعلى مستويات المنافسة.

أما البطولات، فقد جاءت شاهدة على عبقريته. حيث قاد الأرجنتين إلى لقب كأس العالم 2022 بعد انتظار دام 36 عامًا، وأضاف لقبين في كوبا أمريكا، بينما صنع مع برشلونة واحدة من أعظم الحقب الذهبية في تاريخ الأندية، محققًا 10 ألقاب للدوري الإسباني و4 ألقاب لدوري أبطال أوروبا، إلى جانب بطولات محلية وقارية وعالمية لا تُحصى.

وعلى المستوى الفردي، انفرد ميسي برقم يصعب تكراره، بعدما توج بـ8 كرات ذهبية كأفضل لاعب في العالم، إضافة إلى 6 أحذية ذهبية أوروبية، فضلًا عن عشرات الجوائز الفردية التي جعلته الأكثر تتويجًا في تاريخ اللعبة.

لكن قيمة ميسي لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بالأثر الذي تركه. فقد ألهم ملايين الأطفال، وأجبر الجماهير المنافسة على التصفيق له، وفرض احترامه على المدربين واللاعبين والنقاد، لأنه كان يقدم كرة القدم بصورتها النقية؛ مهارة، ومتعة، وذكاء، وتواضع.

وفي مونديال 2026، واصل الأسطورة كتابة التاريخ، مضيفًا إنجازات جديدة إلى سجله الحافل، ليؤكد أن العمر مجرد رقم عندما تمتلك الموهبة والعزيمة والشغف. فلا يزال قادرًا على صناعة الفارق، وقيادة منتخب بلاده، وإبهار العالم بلمسات لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل.

قد يختلف عشاق كرة القدم حول هوية اللاعب الأعظم في التاريخ، لكنهم يتفقون على حقيقة واحدة؛ أن ليونيل ميسي ترك إرثًا سيبقى حاضرًا لعقود طويلة، وأن الأجيال المقبلة ستقرأ عنه كما نقرأ اليوم عن عظماء اللعبة عبر التاريخ.

لقد صنع ميسي مجده بهدوء، وكتب اسمه بحروف من ذهب، حتى أصبح التاريخ نفسه يقف احترامًا للاعبٍ لم يكن مجرد بطل... بل كان حكاية لن تتكرر.