سلمان الحارثي

التساؤلات العميقة دائما ما تحمل طابعًا فلسفيًا ومنطقيًا يشبه المفارقات، ففكرة أن ينطبق شيء ما من خلال حقيقة عدم انطباقه تبدو متناقضة ظاهريًا، ولكن يمكن تفسيرها وفهمها عبر عدة عدسات مختلفة. فكيف ينطبق ما لا ينطبق؟! إن الغوص في هذا المفهوم داخل العلوم الطبيعية يكشف لنا أن الكون نفسه يعشق هذه المفارقات، حيث تصبح اللحظة التي تنهار فيها القواعد وتتوقف عن الانطباق، هي البوابة لفهم أعمق وأشمل.

ففي الرياضيات، صيغت مفارقة شهيرة يمكن تبسيطها كالتالي. تخيل حلاقًا في قرية صدر له أمر بأن يحلق ذقن فقط الأشخاص الذين لا يحلقون لأنفسهم. السؤال هنا هل يحلق الحلاق لنفسه؟! إذا كان لا يحلق لنفسه، فالقاعدة تنطبق عليه، وبالتالي يجب أن يحلق لنفسه. وإذا كان يحلق لنفسه، فالقاعدة يجب ألا تنطبق عليه، وبالتالي يمنع من الحلاقة لنفسه. وهنا ما لا ينطبق يفرض نفسه بقوة ليصبح هو شرط الانطباق. مما يكسر القواعد الرياضية التقليدية. وفي علم النفس التجريبي وبالتحديد نظرية العملية الساخرة، وفي العقل البشري، أحيانًا محاولتنا الشديدة لتجنب شيء ما تجعله ينطبق علينا تمامًا. ويعرف هذا بنظرية العملية الساخرة. فعلى سبيل المثال، إذا طلب منك ألا تفكر في فيل وردي، فإن أول ما سينطبق على تفكيرك فورًا هو صورة الفيل الوردي. الشرط الذي نرفض تطبيقه يصبح هو الفكرة الوحيدة المنطبقة على عقولنا.

وفي الأدب والبلاغة، التناقض الظاهري في الكتابة الإبداعية، يستخدم لإيصال معانٍ عميقة ومزدوجة. كأن يصف أحدهم موقفًا بأنه صمت صاخب أو غياب حاضر. وهنا الصخب حرفيًا لا ينطبق على الصمت، لكنه ينطبق مجازيًا وبقوة لوصف شدة التوتر، مما يجعل الوصف الذي لا ينطبق في الواقع، هو الأدق في وصف الشعور.

وفي الفيزياء ازدواجية الموجة والجسيم في ميكانيكا الكم وفي الفيزياء الكلاسيكية، فإن المادة إما أن تكون جسيمًا له كتلة ومكان محدد أو موجة أي طاقة منتشرة في الفراغ؛ وقوانين أحدهما لا تنطبق على الآخر إطلاقًا.

فعندما ندرس سلوك الإلكترونات والضوء، نجد أن قوانين الجسيمات لا تنطبق عليها دائمًا، وقوانين الموجات لا تنطبق عليها دائمًا. وكان ذلك القبول، أن هذه الاستحالة هي القاعدة نفسها. ففرضت قاعدة الازدواجية، حيث أصبح سلوك الجسيم والموجة مع بعضهما البعض هو التفسير الوحيد الذي ينطبق على الواقع الكمي، رغم أن أحدهما ينفي الآخر في العالم المألوف.

وفي الكيمياء في ظاهرة الرنين والروابط الكيميائية

تستخدم هياكل محددة مثل تركيب لويس لرسم وتوقع شكل الجزيئات ومسار الإلكترونات. لكن عند دراسة جزيء مثل مادة البنزين، اكتشف الكيميائيون أن أيًا من الأشكال التقليدية للروابط لا ينطبق على سلوك الجزيء الحقيقي؛ فهو أكثر استقرارًا مما تفترضه القواعد. وبالعودة لمفهوم الرنين كان الجزيء الحقيقي لا يمثل أي شكل من الأشكال التي لا تنطبق عليه، بل هو هجين منها مجتمعة. إذ إن حقيقة أن الأشكال المنفردة لا تنطبق، هي التفسير الدقيق الذي ينطبق على حالة الاستقرار الفائقة للجزيء في هذه المادة.

وفي علم الفلك والكونيات، تفردت الثقوب السوداء والتي اعتمدت الفيزياء الحديثة على ركيزتين فيها وهي النظرية النسبية العامة لوصف الأشياء العملاقة كالجاذبية والكواكب مع ميكانيكا الكم لوصف الذرات. لكن كانت المشكلة أنه في مركز الثقب الأسود نقطة التفرد، لا تنطبق أي من النظريتين؛ فنظرية النسبية تنهار، وقوانين الكم تعجز. وكان هذا اللا انطباق للقوانين المعروفة وحالة عدم اليقين هو ما يطبقه العلماء اليوم كدليل قاطع على وجود نظرية أعظم لم نكتشفها. وهي عدم انطباق الفيزياء الحالية هو الشرط الأساسي الذي يثبت للعلماء أن هناك فيزياء جديدة يجب أن تكتشف. وفي علم الأحياء والوراثة كان الحمض النووي غير المشفر لسنوات طويلة. فلاحظ علماء الوراثة أن نسبة ضئيلة جدًا من الحمض النووي DNA هي التي تحمل شفرات لبناء البروتينات، بينما الجزء الأكبر وهو أكثر من 98 % لا يقوم بذلك. ولذلك أطلقوا عليه قديمًا اسم الحمض النووي الخردة، لأن قواعد التشفير الجيني المألوفة لا تنطبق عليها. ومع تطور العلم، اكتشفوا أن هذا الجزء الذي لا ينطبق عليه الوصف التقليدي للجينات، هو بالضبط ما يتحكم في تنظيم عمل الجينات الأخرى وتشغيلها وإطفائها. بعبارة أخرى، عدم القدرة على تشفير البروتين هي الخاصية التي سمحت له بأن يكون المنظم الذي ينظم العملية بأكملها. وللحديث صلة.