محمد بن أحمد المقصودي

في زمن تتقدّم فيه الخوارزميات بخطى أسرع من قدرة القانون على اللحاق بها، وتتشكل فيه ملامح سلطة جديدة لا تعتمد على القوة ولا على النفوذ، بل على البيانات والتحليل والتنبؤ، هنا تصبح العدالة أمام اختبار تاريخي غير مسبوق. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مساندة، بل تحول إلى فاعل مؤثر في القرارات التي تمسّ حياة الناس، من تقييم المخاطر إلى تحليل السلوك، ومن التنبؤ بالجريمة إلى اقتراح الأحكام.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث تتقاطع مشاريع التحوّل الوطني مع بناء اقتصاد معرفي متقدّم، يبرز هذا التحوّل بوصفه تحديًا وضرورة في آن واحد: كيف يمكن إدماج التقنية في منظومة العدالة دون أن تتحول إلى سلطة تتجاوز الإنسان؟

وفي هذا المقال، بجزأيه، محاولة مني تفكيك هذا السؤال الكبير عبر مسارين متكاملين؛ الأول يسلّط الضوء على طبيعة الخوارزميات، وكيف يمكن لتحيّزاتها أن تعيد تشكيل القرار القضائي والإداري إذا لم تُضبط بضوابط واضحة، بينما يتناول الجزء الثاني الإطار القانوني والفلسفي الذي يجب أن يُبنى عليه التعامل مع الذكاء الاصطناعي، من تحديد المسؤولية إلى بناء منظومة وطنية للحوكمة الخوارزمية. وبين المسارين، تتشكل رؤية واحدة: أن العدالة الرقمية ليست خيارًا تقنيًا، بل مشروع وطني يتطلب وعيًا تشريعيًا، ورقابة مؤسسية، وفلسفة قانونية تُعيد التأكيد على أن التقنية يجب أن تكون خادمة للعدالة لا حاكمة عليها، جيث يقف الذكاء الاصطناعي أمام بوابات العدالة كقوة جديدة تطلب الدخول إلى فضاء القرار الإنساني.

لم يعد السؤال مقتصرًا على قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات، بل أصبح يتعلق بمدى أهليتها الأخلاقية والقانونية للتأثير في مصائر البشر.

لقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من البنية التي تُدار بها المجتمعات الحديثة، ولم يعد مقتصرًا على التطبيقات الذكية التي تُسهّل الحياة اليومية، بل تجاوز ذلك إلى منظومات تتخذ قرارات مؤثرة في مجالات العدالة، والصحة، والتعليم، والاقتصاد.

ومع هذا التحوّل، برز سؤال جوهري يفرض نفسه على المشرّعين وصنّاع القرار في المملكة والعالم: كيف يمكن ضمان أن تكون الخوارزميات عادلة، وألا تتحوّل التقنية إلى سلطة بلا ضمير؟ فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على تحليل البيانات واتخاذ القرارات بسرعة تفوق البشر، لا يمتلك حسًّا أخلاقيًا، ولا يدرك الفروق الدقيقة التي تُشكّل جوهر العدالة الإنسانية. الخوارزمية تعمل ضمن إطار رياضي مغلق، بينما تعمل العدالة ضمن إطار إنساني مفتوح. ولهذا فإنّ ما يُعرف بالتحيّز الخوارزمي ليس مجرد خلل تقني، بل هو انعكاس مباشر للقيم والمعايير التي تُغذّى بها الأنظمة الذكية. فإذا كانت البيانات التي تُدرّب عليها الخوارزمية تحمل تحيّزًا اجتماعيًا أو ثقافيًا، فإنّ النظام سيعيد إنتاج ذلك التحيّز في صورة رقمية قد تبدو محايدة لكنها تحمل أثرًا خطيرًا على حياة الناس.

وفي المملكة، حيث يشهد قطاع التقنية طفرة نوعية مدفوعة برؤية 2030، يبرز هذا النقاش بوصفه جزءًا من مشروع وطني أكبر يسعى إلى بناء اقتصاد معرفي يقوم على الابتكار دون التفريط في القيم الإنسانية التي تُشكّل هوية المجتمع. فالسعودية اليوم ليست مجرد مستهلك للتقنية، بل أصبحت منتجًا ومطوّرًا لها، ما يجعل مسؤولية التعامل مع الذكاء الاصطناعي مسؤولية وطنية تتطلب وعيًا قانونيًا وفلسفيًا عميقًا.

مع توسّع حضور الذكاء الاصطناعي في المؤسسات الحكومية والخاصة، بدأت تظهر أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان والآلة داخل منظومة العدالة. فهل يمكن اعتبار الخوارزمية شريكًا في اتخاذ القرار؟ أم أنها مجرد أداة متقدمة لا يجوز منحها سلطة تتجاوز حدود البرمجة؟ هذا السؤال يفتح الباب أمام نقاش فلسفي عميق حول مفهوم المسؤولية: فإذا كان القرار ناتجًا عن تحليل خوارزمي، فمن هو المسؤول عن نتائجه؟ المطوّر الذي كتب الكود؟ أم الجهة التي وفّرت البيانات؟ أم المؤسسة التي اعتمدت النظام في إجراءاتها؟

هذا التعقيد لا يظهر في الجانب التقني فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي. فالمجتمعات تميل بطبيعتها إلى منح التقنية ثقة مفرطة، خصوصًا حين تأتي في صورة أنظمة ذكية تبدو محايدة ودقيقة. غير أن هذه الحيادية الظاهرية قد تخفي وراءها تحيّزات خطيرة، لأن الخوارزمية لا تُنتج العدالة من فراغ، بل من بيانات بشرية تحمل في طياتها تاريخا طويلا من الاختلافات الاجتماعية والثقافية. وهنا تكمن خطورة الاعتماد غير المنضبط على الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة مثل العدالة الجنائية، أو تقييم المخاطر، أو اتخاذ قرارات تتعلق بحقوق الأفراد.

ولذلك بدأت العديد من الدول - من بينها المملكة العربية السعودية - التفكير بجدية في وضع أطر تنظيمية، تضمن أن تكون الخوارزميات خاضعة للرقابة والمساءلة. فالتقنية مهما بلغت قوتها لا يمكن أن تكون فوق القانون، ولا يمكن السماح لها بأن تتحول إلى سلطة جديدة تعمل خارج نطاق الضوابط التشريعية. ومن هنا تأتي أهمية بناء منظومة وطنية للحوكمة الخوارزمية، تشمل معايير للشفافية، ومتطلبات للتدقيق، وآليات لتحديد المسؤولية عند وقوع الخطأ.

كما أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى فضاء العدالة يفرض على المؤسسات التعليمية والبحثية دورًا جديدًا يتمثل في إعداد جيل من المتخصصين القادرين على فهم العلاقة بين القانون والتقنية، وتطوير أدوات تحليلية تضمن أن تكون الأنظمة الذكية امتدادًا للقيم الإنسانية لا نقيضًا لها. فالمستقبل لن يكون لمن يتقن البرمجة فقط، بل لمن يستطيع أن يربط بين الخوارزمية والعدالة، وبين البيانات والحقوق، وبين التقنية والإنسان.

ومع نهاية هذا الجزء، يتضح أن السؤال لم يعد: هل تستطيع الخوارزمية اتخاذ القرار؟ بل: من يتحمّل المسؤولية عندما تخطئ؟ وكيف يمكن للقانون أن يضبط سلطة العقل البارد دون أن يعيق الابتكار؟ هذه الأسئلة تمهّد طبيعيًا للجزء الثاني، الذي يناقش الإطار القانوني والفلسفي لمحاسبة الذكاء الاصطناعي، ويبحث في كيفية بناء منظومة وطنية تضمن أن تكون التقنية خادمة للعدالة لا حاكمة عليها. ولنا لقاء قريب.