عبدالرحمن سالم عيد الحربي

يبدأ الأمر بابتسامة موظف، ووعود براقة بامتلاك جدران تؤوي العائلة، وينتهي بوثيقة إذعان تصيغها عقول قانونية بارعة لحماية طرف واحد: البنك. في عالم القروض العقارية طويلة الأجل، يقف المواطن البسيط وحيدًا في مواجهة آلة تمويلية متوحشة، لا ترحم ولا تلتفت لنداءات الإنسانية. يوقع العميل على مئات البنود المعقدة التي لم يكتب فيها سطرًا واحدًا، بل يمتد الخضوع إلى تكفله برسوم محامي البنك الذي وثق الرهن، في مفارقة عجيبة تجعل الضحية تدفع ثمن القيد الذي يطوق عنقها.

المعضلة الكبرى تكمن في غياب المنطق والأثر المجتمعي لهذه المؤسسات؛ فالبنك يحتفظ بـ"ضامن حديدي" لا يتزحزح، وهو العقار المرهون نفسه، مما يعني أن نسبة المخاطرة لديه تكاد تكون منعدمة. إن كان حق البنك مضمونًا بقوة القانون وقوة الرهن، فلماذا تستمر تلك الفوائد الفلكية التي تلتهم أعمار المقترضين؟ ولماذا لا نرى مرونة تخفف عن كاهل الأسر، كتقليص مدة التمويل الإجبارية من ربع قرن إلى 18 عامًا مثلا؟ أو منح العميل خيار إلغاء قسطين شهريين سنويًا لالتقاط الأنفاس في مواسم الالتزامات؟

وهنا يبرز السؤال الجوهري الحارق: ماذا استفاد المقترض من هذا الرهن العقاري؟ هل كانت الفائدة أن يشتري جدرانًا ليصبح هو نفسه أسيرًا لها لربع قرن؟ أو أن يكون مستأجرًا وهو في بيته؟! إن كان الرهن قد وُجد أصلا كأداة لتسهيل التمويل وتقليل المخاطر، فقد حولته البنوك إلى مقصلة. لم يجنِ المواطن منه سوى وهم الاستقرار، مقابل عبودية مالية مقننة، يرى فيها تعبه يذهب لفوائد ملتهمة، وعقاره محبوسًا خلف قضبان الرهن، دون أن تشفع له صفة "العميل الوفي" الذي لم يتأخر يومًا عن السداد.

البنوك تتذرع اليوم بحجة "الاتفاق القانوني" وبأن "العقد شريعة المتعاقدين" لتبرير هذا الاستنزاف. نعم، هو صحيح قانونًا، لكنه باطل أخلاقيًا وإنسانيًا حين يكون العقد قد كُتب بيد واحدة ولم يخط فيه العميل بندًا واحدًا يحميه. لذا، يصبح لزامًا اليوم إطلاق مشروع تشريعي وطني لمراجعة القروض العقارية الراهنة؛ مشروع يعيد فتح هذه الملفات المغلقة لتعديل كفتي الميزان، ويمنح العميل الحق في كتابة بنوده، وفرض شروطه التي تضمن ألا تبتلعه سنوات السداد الطويلة. فالقانون وُجد لحماية الإنسان وليس للكيانات التمويلية التي تجني المليارات دون أي دور مجتمعي يذكر.