أحمد البارقي

تجار الفتنة في الفضاء الرقمي، الصوت المجهول الذي يتسلل إلى العقول، يتخفى خلف شاشة ويرتدي اسمًا مستعارًا، ثم يوزع الاتهامات ويشعل الخصومات، ويغادر دون أن يُسأل: من أنت ومن خوّلك أن تتحدث باسم الناس أو باسم الأوطان؟

أنجبت الثورة الرقمية فضاءً رحّبا للتواصل، لكنها في المقابل فتحت أبواباً واسعة أمام من جعلوا من الفتنة تجارة، ومن الإساءة وسيلة ،ومن الكراهية محتوى يدر الأرباح ويستجلب المتابعين، فكلما ارتفعت نبرة الشتائم وكثرت الاتهامات واتسعت دائرة الاستفزاز، زادت المشاهدات، وكأن بعض المنصات قررت أن تكافئ الضجيج أكثر مما تكافئ الحقيقة.

المؤلم أن كثيرًا من هؤلاء لا يُعرف لهم اسم ولا صفة ولا مسؤولية، يظهر أحدهم معرف مستعار، ويبدأ في الطعن بدولة أو السخرية من شعب ، أو الإساءة إلى رموز ومؤسسات، ثم يختفي كما ظهر، تاركاً خلفه موجة من الاحتقان وكمية من الكراهية وسيلًا من التعليقات التي تعمق الانقسام وتغذي التعصب.

ليس من المقبول أن تتحول العلاقات بين الدول أو صورة الشعوب إلى مادة يتلاعب بها أفراد مجهولون لا يمثلون إلا أنفسهم، وربما لا يمثلون حتى أنفسهم بقدر ما يمثلون مصالح خفية أو رغبة في الشهرة السريعة، فالأوطان أكبر من أن تختزل في بث مباشر، والشعوب أعمق من أن تُحاكم بكلمات يطلقها شخص لا يجرؤ حتى على إظهار هويته.

حرية التعبير حق أصيل وهي من أهم مكتسبات العصر الحديث، لكنها لا تعني حرية الإساءة، ولا تمنح أحدًا حق التحريض أو نشر الكراهية أو بث الإشاعات. فالحرية التي تنزع عنها المسؤولية تتحول إلى فوضى، والفوضى لا تبني مجتمعا بل تهدم الثقة وتزرع الشقاق، وتمنح أصحاب الأجندات مساحة أوسع للعبث بأمن المجتمعات واستقرارها.

من هنا فإن المسؤولية لا تقع على عاتق جهة واحدة، فالمنصات الرقمية مطالبة بأدوات أكثر صرامة في مواجهة الحسابات التي تتخذ من التحريض والإساءة منهجاً دائماً، والجهات الإعلامية مطالبة بإعلاء قيمة المهنية، والهيئات المختصة مطالبة بتطبيق الأنظمة على كل من يتجاوز حدود القانون، أو يستغل المنصات للإضرار بالآخرين، دون مساس بحرية الرأي المسؤولة.

كما أن للمجتمع دوراً لا يقل أهمية فالمتابع الذي يلهث خلف المحتوى المثير، ويعيد نشر المقاطع المسيئة ويمنحها مزيداً من الانتشار، يصبح جزءًا من دائرة المشكلة حتى وإن كان يظن أنه مجرد مشاهد. فالمنصات لا تروّج إلا إذا وجدت من يستهلك هذا المحتوى ولا يستمر تجار الفتنة إلا بوجود من يشتري بضاعتهم.

لقد أصبحت الكلمة اليوم أقوى من كثير من الأدوات التقليدية، فهي تبني وتهدم وتصلح وتفسد، ولذلك فإن حماية الوعي العام لم يعد ترفاً فكرياً ، بل ضرورة وطنية. فالأمن لا يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل أيضاً حماية العقول من حملات التضليل، وصون النسيج الاجتماعي من كل خطاب يسعى إلى تمزيقه.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه كل المجتمعات على نفسها، إلى متى نسمح لمجهولين لا نعرف أسماءهم ولا هوياتهم ولا أهدافهم بأن يعبثوا بعلاقات الشعوب، يختطفوا المنصات ،ويقدموا الكراهية على أنها رأي، والإساءة على أنها شجاعة، والفتنة على أنها بطولة؟.

الوقت قد حان لاستعادة بوصلة الخطاب الرقمي، ولترسيخ مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهمية، حرية التعبير حق أما العبث بأمن المجتمعات والإساءة إلى الأوطان، وإذكاء الفتن بين الشعوب، فليس رأياً بل مسؤولية تستوجب المساءلة.

وبإذن الله الأسبوع القادم ننتقل إلى الوجه الآخر من هذه الفوضى الرقمية، حين تحولت بعض البثوث المباشرة إلى منصات لاستعراض الأجساد والتعري والابتذال، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية وأخلاقية.