اعتدنا ربط «الصحة» بوزارة الصحة، فحين يصاب الإنسان بالسكري، يتجه إلى الطبيب، وحين تداهمه أزمة قلبية يتوجه إلى المستشفى. ومن هذا المشهد اليومي تولد افتراض يكاد يبدو بديهيا «أن صحة المجتمع مسؤولية قطاع واحد».
لكن المستشفى يعالج المرض ولا يصنع أسبابه في الغالب، والطبيب يصف الدواء لكنه لا يحدد ما يأكله الناس ولا كيف يتحركون، إنما ينصح ويوصي، وهو كذلك لا يشارك في تصميم المدن التي يعيشون فيها. لهذا فإن أكثر القرارات أثراً في صحة الإنسان قد لا تصدر من وزارة الصحة أصلاً، فالمدرسة التي تغرس العادات الصحية، والمدينة التي تشجع على المشي، والتشريع الذي يجعل الخيار الصحي أسهل، جميعها قرارات صحية حتى وإن لم تتخذ داخل القطاع الصحي.
لسنوات ظل هذا الطرح يقدم بوصفه توجهاً عالمياً أو فكرة تستحق التبني. أما في المملكة فقد تجاوز الأمر هذه المرحلة. ففي عام 1440 صدر الأمر السامي بتشكيل لجنة «الصحة في كل السياسات»، وإعطاء الصحة العامة أولوية في الأنظمة والتشريعات ذات العلاقة، ثم اعتمدت الإستراتيجية الوطنية بالاسم نفسه، وأُنشئت هيئة الصحة العامة «وقاية». أي أن المملكة لم تتبن المفهوم بوصفه شعاراً إنما بوصفه إطاراً للحوكمة والعمل المؤسسي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا أصبحت صحة المجتمع مسؤولية مشتركة، كيف نضمن ألا تتحول المسؤولية المشتركة إلى مسؤولية بلا صاحب؟
حين تكون الصحة مسؤولية جهة واحدة يسهل السؤال عن نتائجها، أما حين تكون مسؤولية الجميع فقد يصبح من الممكن ألا يسأل أحد.
هذه ليست مفارقة لغوية إنما تحدٍ واجه عدداً من التجارب الدولية، إذ لم تكن المشكلة في الاقتناع بالمبدأ، وإنما في القدرة على تحويله إلى ممارسة مؤسسية واضحة، يعرف فيها كل طرف دوره ويقاس أثره ويحاسب على نتائجه.
ويبدأ التحدي من نقطة تبدو بديهية، لكنها شديدة الأثر: لكل جهة حكومية أولوياتها الخاصة. فلكل منها مؤشرات أداء صممت لتحقيق رسالتها الأساسية. فيقاس قطاع النقل بانسيابية الحركة وسلامة الطرق، وتقاس الجهات البلدية بسرعة الإنجاز وجودة الخدمات، بينما تقاس الجهات التعليمية بمخرجات التعلم. وقد يحمل القرار الواحد أثراً صحياً بالغ الأهمية لكنه لا يظهر في المؤشرات التي تحاسب عليها الجهة صاحبة القرار، ومن الصعب أن نتوقع من أي جهة أن تمنح أولوية دائمة لما لا يدخل في معايير تقييمها.
التحدي الثاني يتمثل في أن الجهة التي تستثمر ليست دائماً الجهة التي تجني العائد. فالرصيف الذي ينشأ اليوم أو الحديقة التي تفتتح، أو البرنامج الذي يعزز النشاط البدني في المدارس تتحمل تكلفته جهة اليوم، بينما قد يظهر أثره بعد عقد أو أكثر في انخفاض الأمراض المزمنة وتقليل الضغط على الخدمات الصحية. وبين الكلفة والعائد فجوة زمنية ومؤسسية تجعل الاستثمار في الوقاية أقل وضوحاً من الاستثمار في العلاج، لا لأنه أقل جدوى، إنما لأن جدواه تنسب إلى ميزانية أخرى في سنة أخرى.
ويبقى التحدي الثالث هو أن نجاح الوقاية لا يرى بسهولة. فهو يتمثل في أشياء لم تحدث، كأزمة قلبية لم تقع، وسكري تأخر ظهوره، وطفل نشأ بعادات صحية أفضل، وشخص احتفظ بقدرته على العمل والإنتاج سنوات أطول. ولهذا كثيراً ما يحظى نجاح العلاج بالاهتمام لأنه يرى، بينما يمر نجاح الوقاية بصمت لأنه منع حدثًا لم يقع أصلًا. فالقاعدة الإدارية تقول «إن ما يقاس هو ما ينجز»، لكن التجربة تقول أيضا «إن ما لا يرى أثره، هو أول ما يصعب الدفاع عنه حين تراجع الأولويات».
ومع ذلك فإن نجاح نهج «الصحة في كل السياسات» لا يعني أن تصبح الصحة المعيار الوحيد في صناعة القرار. فالحكومة توازن بين اعتبارات متعددة: اقتصادية واجتماعية وتنموية وبيئية، والمطلوب ليس أن تمتلك الصحة حق الاعتراض على كل قرار، إنما أن يكون أثره الصحي حاضرًا على طاولة النقاش، ومدعومًا بالبيانات، وموزونًا مع بقية المصالح العامة.
ولكي ينتقل هذا النهج من إطار الحوكمة إلى أثر يلمسه الناس، فإنه يحتاج إلى خطوات عملية واضحة. تبدأ بإدراج تقييم الأثر الصحي ضمن متطلبات القرارات التنموية الكبرى قبل إقرارها، على غرار ما استقر عليه العمل في تقييم الأثر البيئي والمالي. ثم بإدخال مؤشر صحي واضح ضمن بطاقات أداء الجهات ذات العلاقة، لأن الفارق بين الإشارة إلى الصحة والقياس عليها هو الفارق بين التوجه والالتزام. وتنتهي بإصدار تقرير سنوي من اللجنة الوزارية للصحة في كل السياسات، بالشراكة مع هيئة الصحة العامة «وقاية»، يوضح القرارات التي تغيرت بفعل هذا النهج تحديدًا. فالإعلان عن النتائج يمنح المجتمع فرصة لرؤية أثر السياسات قبل أن ينعكس في أروقة المستشفيات.
قد يبدو هذا النقاش بعيدًا عن حياة الناس، لكنه في الحقيقة يمس تفاصيلها اليومية. فهو ينعكس على الحي الذي يسكنه المواطن، والمدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والهواء الذي يتنفسه، والطعام المتاح له، وفرصته في أن يعيش سنوات أطول بصحة أفضل.
الصحة لا تبدأ عندما يطرق الإنسان باب العيادة، إنما قبل ذلك بكثير، في قرارات تتخذ كل يوم وقد لا يلتفت إليها لكنها ترسم صحته على المدى الطويل.
الأكيد أن الصحة لا تصنع داخل المستشفى وحده، بل تصنع حين تتحول المسؤولية من شعارٍ يردد إلى التزام يقاس، ومساءلة لا يعفى منها أحد.
لكن المستشفى يعالج المرض ولا يصنع أسبابه في الغالب، والطبيب يصف الدواء لكنه لا يحدد ما يأكله الناس ولا كيف يتحركون، إنما ينصح ويوصي، وهو كذلك لا يشارك في تصميم المدن التي يعيشون فيها. لهذا فإن أكثر القرارات أثراً في صحة الإنسان قد لا تصدر من وزارة الصحة أصلاً، فالمدرسة التي تغرس العادات الصحية، والمدينة التي تشجع على المشي، والتشريع الذي يجعل الخيار الصحي أسهل، جميعها قرارات صحية حتى وإن لم تتخذ داخل القطاع الصحي.
لسنوات ظل هذا الطرح يقدم بوصفه توجهاً عالمياً أو فكرة تستحق التبني. أما في المملكة فقد تجاوز الأمر هذه المرحلة. ففي عام 1440 صدر الأمر السامي بتشكيل لجنة «الصحة في كل السياسات»، وإعطاء الصحة العامة أولوية في الأنظمة والتشريعات ذات العلاقة، ثم اعتمدت الإستراتيجية الوطنية بالاسم نفسه، وأُنشئت هيئة الصحة العامة «وقاية». أي أن المملكة لم تتبن المفهوم بوصفه شعاراً إنما بوصفه إطاراً للحوكمة والعمل المؤسسي.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا أصبحت صحة المجتمع مسؤولية مشتركة، كيف نضمن ألا تتحول المسؤولية المشتركة إلى مسؤولية بلا صاحب؟
حين تكون الصحة مسؤولية جهة واحدة يسهل السؤال عن نتائجها، أما حين تكون مسؤولية الجميع فقد يصبح من الممكن ألا يسأل أحد.
هذه ليست مفارقة لغوية إنما تحدٍ واجه عدداً من التجارب الدولية، إذ لم تكن المشكلة في الاقتناع بالمبدأ، وإنما في القدرة على تحويله إلى ممارسة مؤسسية واضحة، يعرف فيها كل طرف دوره ويقاس أثره ويحاسب على نتائجه.
ويبدأ التحدي من نقطة تبدو بديهية، لكنها شديدة الأثر: لكل جهة حكومية أولوياتها الخاصة. فلكل منها مؤشرات أداء صممت لتحقيق رسالتها الأساسية. فيقاس قطاع النقل بانسيابية الحركة وسلامة الطرق، وتقاس الجهات البلدية بسرعة الإنجاز وجودة الخدمات، بينما تقاس الجهات التعليمية بمخرجات التعلم. وقد يحمل القرار الواحد أثراً صحياً بالغ الأهمية لكنه لا يظهر في المؤشرات التي تحاسب عليها الجهة صاحبة القرار، ومن الصعب أن نتوقع من أي جهة أن تمنح أولوية دائمة لما لا يدخل في معايير تقييمها.
التحدي الثاني يتمثل في أن الجهة التي تستثمر ليست دائماً الجهة التي تجني العائد. فالرصيف الذي ينشأ اليوم أو الحديقة التي تفتتح، أو البرنامج الذي يعزز النشاط البدني في المدارس تتحمل تكلفته جهة اليوم، بينما قد يظهر أثره بعد عقد أو أكثر في انخفاض الأمراض المزمنة وتقليل الضغط على الخدمات الصحية. وبين الكلفة والعائد فجوة زمنية ومؤسسية تجعل الاستثمار في الوقاية أقل وضوحاً من الاستثمار في العلاج، لا لأنه أقل جدوى، إنما لأن جدواه تنسب إلى ميزانية أخرى في سنة أخرى.
ويبقى التحدي الثالث هو أن نجاح الوقاية لا يرى بسهولة. فهو يتمثل في أشياء لم تحدث، كأزمة قلبية لم تقع، وسكري تأخر ظهوره، وطفل نشأ بعادات صحية أفضل، وشخص احتفظ بقدرته على العمل والإنتاج سنوات أطول. ولهذا كثيراً ما يحظى نجاح العلاج بالاهتمام لأنه يرى، بينما يمر نجاح الوقاية بصمت لأنه منع حدثًا لم يقع أصلًا. فالقاعدة الإدارية تقول «إن ما يقاس هو ما ينجز»، لكن التجربة تقول أيضا «إن ما لا يرى أثره، هو أول ما يصعب الدفاع عنه حين تراجع الأولويات».
ومع ذلك فإن نجاح نهج «الصحة في كل السياسات» لا يعني أن تصبح الصحة المعيار الوحيد في صناعة القرار. فالحكومة توازن بين اعتبارات متعددة: اقتصادية واجتماعية وتنموية وبيئية، والمطلوب ليس أن تمتلك الصحة حق الاعتراض على كل قرار، إنما أن يكون أثره الصحي حاضرًا على طاولة النقاش، ومدعومًا بالبيانات، وموزونًا مع بقية المصالح العامة.
ولكي ينتقل هذا النهج من إطار الحوكمة إلى أثر يلمسه الناس، فإنه يحتاج إلى خطوات عملية واضحة. تبدأ بإدراج تقييم الأثر الصحي ضمن متطلبات القرارات التنموية الكبرى قبل إقرارها، على غرار ما استقر عليه العمل في تقييم الأثر البيئي والمالي. ثم بإدخال مؤشر صحي واضح ضمن بطاقات أداء الجهات ذات العلاقة، لأن الفارق بين الإشارة إلى الصحة والقياس عليها هو الفارق بين التوجه والالتزام. وتنتهي بإصدار تقرير سنوي من اللجنة الوزارية للصحة في كل السياسات، بالشراكة مع هيئة الصحة العامة «وقاية»، يوضح القرارات التي تغيرت بفعل هذا النهج تحديدًا. فالإعلان عن النتائج يمنح المجتمع فرصة لرؤية أثر السياسات قبل أن ينعكس في أروقة المستشفيات.
قد يبدو هذا النقاش بعيدًا عن حياة الناس، لكنه في الحقيقة يمس تفاصيلها اليومية. فهو ينعكس على الحي الذي يسكنه المواطن، والمدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والهواء الذي يتنفسه، والطعام المتاح له، وفرصته في أن يعيش سنوات أطول بصحة أفضل.
الصحة لا تبدأ عندما يطرق الإنسان باب العيادة، إنما قبل ذلك بكثير، في قرارات تتخذ كل يوم وقد لا يلتفت إليها لكنها ترسم صحته على المدى الطويل.
الأكيد أن الصحة لا تصنع داخل المستشفى وحده، بل تصنع حين تتحول المسؤولية من شعارٍ يردد إلى التزام يقاس، ومساءلة لا يعفى منها أحد.