فاطمة المزيني

لا تبدو اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد توسع في التعاون العسكري بين ثلاث دول تربطها علاقات ممتدة. فمبدأ اعتبار الاعتداء على أي طرف اعتداءً على الأطراف جميعًا ينقل العلاقة إلى مستوى أكثر جدية، تصبح فيه قوة كل دولة جزءًا من حسابات أمن الدول الأخرى. وهي خطوة تحسب للدول الثلاث؛ لأنها تنقل التقارب السياسي من مساحة التفاهمات إلى بناء مصالح أمنية يصعب تجاوزها.

وفي فلسفة التحالفات الدفاعية، لا تُبنى القوة فقط من أجل استخدامها، بل لمنع الآخرين من اختبارها. عندما تكون الدولة منفردة يستطيع الخصم تقدير قدراتها وحدود ردها، أما حين تصبح جزءًا من تحالف، فإن قرار مهاجمتها يستدعي حساب قدرات ومصالح وردود أطراف أخرى. وهكذا يعمل التحالف على رفع تكلفة المغامرة وتقليل احتمال وقوعها. ومن هذه الزاوية يبدو اتفاق مكة خطوة ذكية في بناء الردع.

كما أن اختيار أطراف الاتفاق يكشف قدرًا واضحًا من الواقعية الإستراتيجية. الدول الثلاث لا تتشابه في مصادر قوتها، وهذا تحديدًا ما يمنح الاتفاق قيمته. السعودية تملك ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وموقعًا مركزيًا في جغرافيا الطاقة والتجارة، وتركيا تمتلك جيشًا كبيرًا وصناعة دفاعية متقدمة وخبرة عملياتية واسعة، فيما تمثل باكستان قوة عسكرية كبيرة، فضلًا عن كونها دولة نووية. هذا التنوع يمنح التحالف قيمة تتجاوز جمع القدرات العسكرية إلى تكاملها.

ولا يعني وجود باكستان أن الاتفاق أنشأ مظلة نووية للسعودية أو تركيا؛ فالنص المعلن لا يقول ذلك. لكنه يضيف عاملًا يصعب استبعاده من حسابات الردع. فوجود دولة نووية داخل اتفاق للدفاع المشترك هو بالتأكيد مصدر قوة.

ومن النقاط اللافتة أيضًا أن الاتفاق لم يحدد عدوًا بعينه، وهو جانب يحسب لصياغته السياسية.

فالتحالف الذي يُبنى ضد دولة محددة قد يفقد مبرره بتغير الظروف، بينما الاتفاق المبني على مواجهة العدوان يملك قابلية أكبر للاستمرار. ولهذا سيكون من الاختزال تفسير اتفاق مكة من خلال أزمة راهنة أو خصم محدد؛ فالتهديدات تتغير، بينما تبقى حاجة الدول إلى الردع وحماية مصالحها.

الجغرافيا كذلك تضيف إلى الاتفاق أهمية خاصة. تركيا تقع عند تقاطع أوروبا وآسيا وشرق المتوسط والبحر الأسود، والسعودية في قلب الخليج والبحر الأحمر، وباكستان على بحر العرب وفي جوار جنوب ووسط آسيا. وإذا تطور التعاون إلى دفاع جوي وإنذار مبكر وتنسيق بحري وصناعات عسكرية مشتركة، فإننا سنكون أمام شبكة أمنية تصل بين مساحات إستراتيجية واسعة تمتد من المتوسط إلى المحيط الهندي. المرحلة التالية هي الاختبار الحقيقي لقيمة الاتفاق: تحويل الإرادة السياسية التي ظهرت في مكة إلى ترتيبات دفاعية قادرة على العمل عند الحاجة.

لكن الاتفاق حقق منذ توقيعه إحدى أهم وظائف التحالفات: تغيير حساب المخاطرة. فمن يفكر في استهداف أحد أطرافه لم يعد أمام دولة واحدة يمكن تقدير ردها بمعزل عن الآخرين، بل أمام ثلاث دول تختلف في قدراتها ومواقعها ومصالحها. وهذه في جوهرها معادلة الردع؛ أن تصبح تكلفة الاعتداء أكبر من المكاسب المتوقعة منه.

لهذا يمكن النظر إلى اتفاق مكة باعتباره خطوة متقدمة في التفكير بالأمن الإقليمي. فالدول تبني شبكة مصالحها وترتيباتها الدفاعية قبل أن تحتاج إليها. وربما تكمن أهم دلالات الاتفاق هنا: أنه لا يكتفي بالتعامل مع تهديدات الحاضر، بل يحاول بناء معادلة تمنع تهديدات المستقبل.

في منطقتنا التي لا تهدأ تبدو السياسة الأكثر حكمة هي تلك التي تستثمر في منع الحرب قبل أن تبدأ. وإذا نجحت الدول الثلاث في إعطاء اتفاق مكة مضمونه المؤسسي والعسكري، فقد يكون إنجازه الأكبر هو تحقيق مبدأ الردع، والقياس على عدد الحروب التي لا تبدأ لأن أحدا لا يريد اختبار قدرة هذا التحالف المركزي والكبير.