يبدأ الردع قبل إطلاق الصاروخ، وتحديدًا في اللحظة التي يعيد فيها الخصم حساباته: من سيرد؟ وما القدرات التي ستتحرك؟ وكم ستبلغ كلفة الاعتداء؟ من هذه الزاوية ينبغي قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؛ فهو لا يضيف وثيقة دفاعية إلى الأرشيف السياسي، وإنما يغيّر المعادلة التي تسبق قرار الحرب.
وُقّع الاتفاق في الديوان الملكي بقصر الصفا في مكة المكرمة، في رحاب الحرم المكي وبجوار بيت الله الحرام، وفي يوم الجمعة؛ عيد المسلمين الأسبوعي ويوم اجتماعهم وصلاتهم. لم يكن المكان تفصيلًا بروتوكوليًا، ولم يكن التوقيت رقمًا عابرًا في التقويم. الاتفاق دفاعي في مضمونه، إسلامي في وجدانه، دولي في آثاره؛ ويبعث برسالة مفادها أن القوة هنا مسؤولة، وأن حماية السلام تحتاج إلى قدرة تمنع الاعتداء قبل وقوعه.
في أعلى مشهد التوقيع حضرت صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود منفردة، بوصفها رمز الدولة ومرجعيتها واستمراريتها. وتحت الصورة جلس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في مركز طاولة التوقيع، فيما توسط العلم السعودي علمي تركيا وباكستان.
سيميائيًا، يحدد العلم الواقع في الوسط مركز المشهد ومكان انعقاده ومرجعيته السياسية. وتعكس هذه الوضعية مكانة المملكة في جمع القدرات وتحويلها إلى مصالح مشتركة، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، وإلى دورها المحوري في العالمين العربي والإسلامي.
وفي الصور الظاهرة أثناء التوقيع حضرت صورتا مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتستحضرا الحرمين الشريفين ومكانتهما العميقة في وجدان شعوب الدول الثلاث. فالسعودية هي أرض الحرمين، والقائمة على خدمتهما ورعايتهما وحفظ أمنهما وأمن قاصديهما، وإليهما تتجه قلوب المسلمين من تركيا وباكستان وسائر أنحاء العالم. وهكذا جمع المشهد بين القداسة والمسؤولية، وبين رابطة الإيمان ودور المملكة في خدمة المقدسات والمسلمين.
وجاء حضور ثلاث سيدات خلف مواقع التوقيع رسالة سيميائية هادئة وواضحة؛ فالنساء شقائق الرجال، والمرأة في الرؤية السعودية حاضرة إلى جانب الرجل، عونًا له وشريكة في بناء الأسرة والمجتمع والدولة، كما أنه عون لها. إنها صورة طبيعية للتكامل الذي يحفظ الهوية والقيم، ويجعل المشاركة جزءًا من بناء الوطن.
أما القراءة الإستراتيجية لاتفاق مكة فتبدأ من التفكير العكسي: ماذا لو لم يوجد الاتفاق؟
في غياب الاتفاق يستطيع أي معتدٍ أن يحسب قوة كل دولة منفردة، وأن يبحث عن الثغرة والتوقيت والأداة المناسبة. بعد الاتفاق يصبح مطالبًا بحساب ثلاثة مجالات جوية، وثلاثة أثقال سياسية، وقواعد صناعية متعددة، وقدرات عسكرية واستخباراتية مختلفة، ومساحات بحرية تمتد من الخليج العربي والبحر الأحمر إلى المتوسط والبحر الأسود وبحر العرب والمحيط الهندي.
هذا هو جوهر الردع الجماعي الذي أسهم في منع المواجهة المباشرة بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد السوفيتي ثم روسيا؛ إذ لم تنشأ قوة «الناتو» من جمع أعداد الجنود والأسلحة فقط، وإنما من إدراك الخصم أن الاعتداء على دولة واحدة قد يستدعي قوة الجميع. والمقارنة هنا تتصل بمنطق الردع، ولا تفترض تطابق المؤسستين؛ فالقيمة الأولى لاتفاق مكة تكمن في إزالة وهم «الهدف المنفرد».
تجمع السعودية وتركيا وباكستان قرابة 368 مليون نسمة، وتمتد فوق مساحة تقارب 3.8 ملايين كيلومتر مربع، ويقترب ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي المجمع من 3.3 تريليونات دولار. وبلغ مجموع إنفاقها العسكري خلال عام 2025 نحو 125 مليار دولار؛ 83.2 مليار دولار للسعودية، و30 مليارًا لتركيا، و11.9 مليارًا لباكستان. ولو قُرئت هذه النفقات ككتلة واحدة لاقتربت من ترتيب أكبر أربع قوى إنفاقًا على الدفاع في العالم.
الأهم من الحجم اختلاف وظائف القوة. تقدم السعودية القيادة السياسية، والثقل الاقتصادي، والطاقة، والقدرة الاستثمارية، والموقع العربي والإسلامي، وتحمل مكانة فريدة بوصفها أرض الحرمين الشريفين وقلب العالم الإسلامي. وتضيف تركيا قاعدة صناعية دفاعية وخبرة في الطائرات المسيّرة والإلكترونيات والمدرعات والسفن. وتضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية وصناعة صاروخية وجوية، ومكانة نووية تدخل بطبيعتها في تقديرات أي خصم وهو يقيس حدود المخاطرة.
وفي القوة الجوية، يحصي دليل «FlightGlobal» لعام 2026 نحو 364 طائرة قتالية نشطة لدى السعودية، في مقدمتها مقاتلات F-15 و«يوروفايتر تايفون» وطائرات «تورنيدو» الهجومية. وتمتلك باكستان أكثر من 420 طائرة قتالية تشمل F-16 وJ-10C وJF-17 التي تشارك في تصنيعها وتطويرها. ويرتكز سلاح الجو التركي على مقاتلات F-16، إلى جانب طائرات F-4 المطورة، مع تقدم مشروع المقاتلة «قآن»، وخبرة واسعة في المسيّرات من طرازات «بيرقدار» و«أقنجي».
وأقرت واشنطن تسليمات مستقبلية من مقاتلات F-35 للمملكة ضمن حزمة الشراكة الدفاعية السعودية–الأمريكية، فيما أفادت رويترز بأن الطلب السعودي يصل إلى 48 طائرة. ومن شأن دخول هذه المقاتلة الشبحية إلى القوة الجوية السعودية إضافة قدرات متقدمة في دمج المستشعرات، وبناء صورة ميدانية واسعة، وتنفيذ عمليات دقيقة في بيئات دفاعية معقدة.
وعندما تتكامل هذه النوعية مع خبرة تركيا في المسيّرات والحرب الإلكترونية، ومع خبرة باكستان في تشغيل المنظومات الشرقية والغربية وتصنيع JF-17، تنشأ منظومة جوية تجمع التفوق التقني وكثافة العدد ومرونة الإمداد.
ولا تكمن القيمة في امتلاك الطائرات وحدها؛ فالمعارك الحديثة تحسمها المنظومة التي ترى أولًا، وتقرر أسرع، وتحافظ على عملها تحت الضغط. ومن هنا تبرز أهمية التدريبات المشتركة، والإنذار المبكر، والدفاع ضد الصواريخ والمسيّرات، والقيادة والسيطرة، والصيانة، وتكامل المعلومات والاتصالات العسكرية.
وفي المجال البحري، تطل المملكة على الخليج العربي والبحر الأحمر، وتحمي منشآت الطاقة وموانئ التصدير وممرًا يمر عبره جزء مؤثر من تجارة العالم. وتعمل على تحديث قواتها البحرية عبر مشروع «السروات»، الذي تسلم خمس كورفيتات متعددة المهام، وبدأ مرحلته الثانية بثلاث سفن إضافية، إلى جانب أربع سفن قتال سطحية متعددة المهام ضمن مشروع «طويق».
وتشرف تركيا على المضائق الواصلة بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وتملك خبرة صناعية في بناء الفرقاطات والكورفيتات ضمن برنامج «ميلغم»، كما تشغّل أسطول غواصات كبيرًا وتُدخل ست غواصات من فئة «رئيس» ذات الدفع المستقل عن الهواء.
أما باكستان فتطل على بحر العرب والمحيط الهندي، وتملك ميناءي كراتشي وغوادر، وتشغّل ثماني غواصات وفق بيانات منشورة في عام 2026، وتنفذ برنامجًا لإدخال ثماني غواصات «هنغور»، تُبنى أربع منها داخل باكستان ضمن برنامج لنقل التقنية.
السعودية تؤمّن قلب البحر الأحمر والخليج ومنشآت الطاقة، وتركيا تضيف خبرة بناء السفن والغواصات والعمل في بحار متداخلة، وباكستان تمنح الاتفاق امتدادًا إلى بحر العرب والمحيط الهندي. وهذا التكامل يخدم حماية ناقلات النفط والغاز، وخطوط التجارة، والكابلات البحرية، والموانئ، ومواجهة الألغام والتهريب والقرصنة والتهديدات العابرة للحدود.
وفي الجانب الاستخباراتي، تتلخص القيمة في تبادل الإنذار المبكر عن الصواريخ والمسيّرات، وتتبع مصادر إطلاقها ومساراتها، ومراقبة التنظيمات الإرهابية وتمويلها، وحماية الممرات البحرية، ومواجهة الهجمات السيبرانية والحملات المضللة. فالدقيقة التي تكسبها المعلومة قد تساوي، في زمن الصواريخ والأسلحة الدقيقة، أسرابًا كاملة من الطائرات.
ويمنح التعاون الصناعي اتفاق مكة عمرًا أطول من الحدث السياسي. تستهدف رؤية السعودية 2030 توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري، وتعمل الشركة السعودية للصناعات العسكرية «سامي» والهيئة العامة للصناعات العسكرية على نقل المعرفة وبناء سلاسل إمداد وطنية.
ويمكن للخبرة التركية في المسيّرات والإلكترونيات والذخائر والمحركات والسفن، والخبرة الباكستانية في الطائرات والصواريخ والمدرعات والصيانة، أن تدعما المستهدف السعودي عبر الإنتاج داخل المملكة، وتأهيل المهندسين السعوديين، وتطوير منتجات مشتركة، وتوطين قطع الغيار والذخائر والصيانة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
اقتصاديًا، لا تتشابه الدول الثلاث في مصادر قوتها، وهذا ما يمنح التكامل قيمته. وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد السعودي في يونيو 2026 بالمرن والقادر على مواجهة الصدمات، بعدما نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.5% خلال 2025، مدعومًا بالنشاط غير النفطي والطلب المحلي، مع انخفاض التضخم إلى أقل من 2%.
وتتحرك المملكة وفق رؤية السعودية 2030 لتنمية الصناعة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والطاقة المتجددة والاستثمار الخاص. كما بلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة المدارة 913 مليار دولار بنهاية 2024، وبلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي نحو 415 مليار دولار، بما يعكس عمق الأصول والاحتياطيات التي تستند إليها القوة الاقتصادية السعودية.
ورأى صندوق النقد أن تركيا حافظت على نمو اقتصادي قوي، وخفضت التضخم من 49.4% في سبتمبر 2024 إلى 30.9% بنهاية 2025، مع استمرار الحاجة إلى إصلاحات ترفع الإنتاجية وتعزز الاستقرار. وتتمثل قوة الاقتصاد التركي في تنوع الصناعة والصادرات والمقاولات والسياحة والخدمات اللوجستية، فيما يمثل الاعتماد على واردات النفط والغاز إحدى نقاط الضغط الهيكلية.
أما باكستان فحققت تقدمًا في الاستقرار واستعادة الثقة، وبلغت احتياطيات بنكها المركزي قرابة 16 مليار دولار بنهاية 2025 وفق صندوق النقد الدولي. وتعتمد على الزراعة والمنسوجات والتحويلات المالية والخدمات التقنية، إضافة إلى واردات الطاقة والتمويل الخارجي. وتتمثل نقاط قوتها في حجم السكان، والقاعدة الصناعية، والعمالة الشابة، والصناعات النسيجية، والخدمات الرقمية، والموقع المرتبط بالممر الاقتصادي الصيني.
وتملك السعودية إحدى أهم أوراق الطاقة في العالم؛ إذ تحتوي على نحو 17% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، وتدير أرامكو احتياطيات امتياز تقترب من 250 مليار برميل مكافئ نفطي، منها أكثر من 190 مليار برميل من النفط الخام والمكثفات.
وتزداد قيمة هذه الأصول مع خط أنابيب الشرق–الغرب وموانئ البحر الأحمر ومخزونات أرامكو الخارجية، وهي عناصر أتاحت للمملكة إعادة توجيه الصادرات النفطية عند اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. وهنا تتحول البنية التحتية السعودية نفسها إلى أداة ردع اقتصادي وحماية لأمن الطاقة العالمي.
ولا تتوقف القوة السعودية عند تصدير النفط الخام. تمتد استثمارات أرامكو في التكرير والبتروكيميائيات إلى الولايات المتحدة عبر «موتيفا»، وكوريا الجنوبية عبر «إس أويل»، وماليزيا عبر «برفكيم»، والصين عبر مجمعات التكرير والبتروكيميائيات، وأوروبا عبر الاستثمار في مصفاة غدانسك البولندية. وبذلك أصبحت الطاقة السعودية حاضرة داخل أسواق الاستهلاك وقاراته، وتحولت العلاقة من بيع شحنة نفط إلى شراكة صناعية طويلة الأجل.
وتستفيد تركيا وباكستان من الشراكة السعودية في أمن الإمدادات، والاستثمار في التكرير والتخزين والبتروكيميائيات والطاقة المتجددة. وفي المقابل، تمنح الموانئ التركية موقعًا قريبًا من أوروبا والبحر الأسود، وتمنح الموانئ الباكستانية منفذًا إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي. ويمكن لهذه الخريطة أن تخدم النفط والغاز والبتروكيميائيات والهيدروجين والخدمات البحرية، وتوزع المخاطر على مسارات متعددة.
ويضاف إلى ذلك الممر البري بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا. فطريق الشمال الدولي القائم يمتد أكثر من 1700 كيلومتر، ويربط دول الخليج بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا وصولًا إلى أوروبا، وتعبره سنويًا أعداد كبيرة من المسافرين والشاحنات.
كما يجري بحث إنشاء خط سكة حديد يصل المملكة بتركيا عبر الأردن وسوريا لنقل الركاب والبضائع ومنتجات النفط والغاز. وإذا اكتمل هذا المشروع، ستتحول الجغرافيا من حدود تفصل الأسواق إلى بنية تحتية تصل الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وتمنح المملكة مسارًا تجاريًا إضافيًا يعزز مكانتها مركزًا عالميًا للخدمات اللوجستية.
وفي التجارة والاستثمار، تجاوز حجم التبادل التجاري بين السعودية وتركيا 8.6 مليارات دولار وفق بيانات منتدى الأعمال المشترك في 2026، مع استهداف عشرة مليارات دولار في المدى القريب وثلاثين مليارًا في المدى الأبعد. ويعمل في السوق السعودية أكثر من 5600 شركة تركية وفق مجلس الأعمال التركي–السعودي، فيما تجاوزت قيمة المشروعات التي نفذتها الشركات التركية 25 مليار دولار، وبلغ الاستثمار التركي المباشر في المملكة نحو 117 مليون دولار.
وتظهر الاستثمارات السعودية المتجهة إلى تركيا في اتفاق إنشاء محطتين للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ ألفي ميغاواط واستثمار يقدر بملياري دولار، إضافة إلى اتفاق شركة «آفي ليس»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، لتأجير ثماني طائرات حديثة للخطوط الجوية التركية. وهذه أمثلة على انتقال العلاقات الاقتصادية من التجارة التقليدية إلى الطاقة والبنية التحتية والتمويل والأصول طويلة الأجل.
وبلغ حجم التجارة السعودية–الباكستانية نحو 4.45 مليارات دولار في السنة المالية 2025، تتركز غالبيتها في صادرات الطاقة والبتروكيميائيات السعودية، مقابل المنتجات الغذائية والمنسوجات والسلع الباكستانية. كما تعمل تركيا وباكستان للوصول بحجم تجارتهما الثنائية إلى خمسة مليارات دولار، مع تعاون في الطاقة والتعدين وتقنية المعلومات والصناعات الدفاعية.
وفي التحويلات المالية، أرسل الباكستانيون العاملون في المملكة إلى بلادهم نحو 9.34 مليارات دولار خلال السنة المالية 2025، لتبقى السعودية أكبر مصدر منفرد للتحويلات إلى باكستان. وهذه الأموال ليست حركة مصرفية هامشية؛ فهي تدعم احتياطيات النقد الأجنبي والاستهلاك والاستقرار الأسري، وتربط ملايين الأسر الباكستانية بسوق العمل والاقتصاد السعودي.
ويعيش في المملكة نحو 2.7 مليون باكستاني، إلى جانب جالية تركية تقدر بعشرات الآلاف. وفي الاتجاه الآخر، تمثل تركيا وجهة سياحية مهمة للسعوديين، فيما يأتي الأتراك والباكستانيون إلى المملكة للحج والعمرة والعمل والاستثمار. وهنا تعمل القوة الناعمة من أسفل إلى أعلى، عبر السفر والأسرة والتعليم والتجارة والتجربة الشخصية، لا عبر البيانات الرسمية وحدها.
وفي مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 جاءت السعودية في المرتبة السابعة عشرة، وتركيا في المرتبة الخامسة والعشرين، وباكستان في المرتبة الرابعة والثمانين. وتستند القوة الناعمة السعودية إلى الحرمين الشريفين، والدبلوماسية، والطاقة، والاستثمار، والإعلام، والسياحة، والرياضة، والثقافة، وحضور رؤية 2030.
وتستند القوة التركية إلى السياحة والصناعة والإنتاج الثقافي والإعلامي، فيما تملك باكستان رأسمالًا بشريًا واسعًا، وجاليات دولية كبيرة، وحضورًا باللغتين الأردية والإنجليزية. وعندما تتقاطع هذه الأدوات، يمكن إنتاج خطاب ثقافي وإعلامي يخاطب العالم الإسلامي والشرق والغرب بلغات متعددة.
وتجمع المجتمعات الثلاثة أغلبية مسلمة سنية مع تنوع داخلي يمثل ثراءً اجتماعيًا وثقافيًا. كما تجمعها قيم الترابط الأسري، وصلة الرحم، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والتكافل، والمحافظة على الهوية والقيم الدينية، والارتباط الوجداني بالحرمين الشريفين والقدس. وهذه المشتركات تمنح اتفاق مكة قبولًا شعبيًا لا تستطيع النصوص القانونية وحدها إنتاجه.
وفي البيئة والطاقة النظيفة، تشترك الدول الثلاث في مواجهة تحديات المياه والمناخ والتصحر والأمن الغذائي والكوارث الطبيعية. وتستطيع السعودية نقل خبرتها في تحلية المياه والطاقة الشمسية والمدن الجديدة، فيما تقدم تركيا خبرتها الزراعية والصناعية، وتقدم باكستان خبرتها في الزراعة وإدارة الأنهار ومواجهة الفيضانات. ويمتد التعاون المحتمل إلى الزراعة الذكية، والأمن المائي، والهيدروجين، وخفض الانبعاثات، والإنذار المبكر للكوارث.
وتدخل الطاقة النووية المدنية ضمن معادلة المستقبل. تشغّل باكستان ستة مفاعلات نووية مدنية بقدرة إجمالية تتجاوز 3200 ميغاواط، وتبني تركيا أربعة مفاعلات في محطة «أكويو»، فيما وقّعت السعودية في يوليو 2026 اتفاقًا أمريكيًا للتعاون النووي السلمي، وتتوسع في الطاقة الشمسية والرياح ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وتحتفظ الدول الثلاث بعلاقات إستراتيجية متشعبة مع الشرق والغرب. السعودية شريك رئيس للولايات المتحدة، وتوسع في الوقت نفسه علاقاتها مع الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي وشرق آسيا. وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وترتبط بأوروبا، وتحافظ على قنوات مؤثرة مع روسيا وآسيا الوسطى. وباكستان شريك وثيق للصين عبر الممر الاقتصادي، ولديها علاقات عسكرية واقتصادية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وعضوية في منظمة شنغهاي للتعاون.
وتمنح هذه الشبكات اتفاق مكة قدرة على التواصل مع مراكز دولية متعددة، وتجعله جسرًا بين دوائر سياسية واقتصادية وعسكرية لا تلتقي دائمًا. كما تقلل احتمالات عزل الدول الثلاث داخل محور جغرافي مغلق، وتمنحها مساحة أكبر للحركة والتفاوض وحماية المصالح.
ولا يصح اختزال اتفاق مكة للدفاع المشترك في مواجهة إيران وحدها. المنطقة تواجه صواريخ ومسيّرات وتنظيمات مسلحة وتهديدات للملاحة وهجمات سيبرانية، كما تواجه انفلاتًا عسكريًا إسرائيليًا تجاوز في ساحات متعددة قواعد السيادة والقانون الدولي، مع استمرار عدوان الاحتلال على الشعب الفلسطيني ومحاولاته فرض الوقائع بالقوة.
ومن منظور إستراتيجي، يمكن اعتبار الاتفاق رسالة ردع موجهة إلى السلوك العدواني أيًا كان مصدره. ويدخل الاحتلال الإسرائيلي في حساباته المستقبلية نتيجة ممارساته واتساع عملياته، لا نتيجة إعلان الاتفاق موجهًا ضده. فحين يدرك الاحتلال أن تجاوز الحدود قد يستدعي ثقلًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا أوسع، تضيق حرية استخدام القوة وترتفع كلفة المغامرة.
وفي الوقت نفسه، ينسجم الاتفاق مع السياسة السعودية القائمة على احترام السيادة والقانون الدولي، وتغليب الحوار والحلول السياسية، ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فالردع في الرؤية السعودية ليس نقيض السلام؛ إنه السياج الذي يمنع المعتدي من تفسير الرغبة في السلام على أنها ضعف.
القيمة التاريخية لاتفاق مكة لن تقاس بعدد الاجتماعات التي ستعقد باسمه، وإنما بمقدار ما يغيره في تفكير من يفكر في الاعتداء. فإذا أنتج إنذارًا مبكرًا مشتركًا، وصناعة دفاعية سعودية أعمق، وممرًا آمنًا للطاقة والتجارة، وتكاملًا جويًا وبحريًا، وتنسيقًا استخباراتيًا سريعًا، فسيصبح منظومة أمن ومصالح وثقافة واقتصاد، لا نصًا محفوظًا في الملفات.
كان السؤال قبل اتفاق مكة: كيف سترد الدولة المستهدفة وحدها؟
وأصبح بعده: ما حجم القوة التي قد يوقظها هذا الاعتداء؟
وحين يتغير السؤال في عقل الخصم، يبدأ الردع قبل إطلاق الرصاصة الأولى.
وُقّع الاتفاق في الديوان الملكي بقصر الصفا في مكة المكرمة، في رحاب الحرم المكي وبجوار بيت الله الحرام، وفي يوم الجمعة؛ عيد المسلمين الأسبوعي ويوم اجتماعهم وصلاتهم. لم يكن المكان تفصيلًا بروتوكوليًا، ولم يكن التوقيت رقمًا عابرًا في التقويم. الاتفاق دفاعي في مضمونه، إسلامي في وجدانه، دولي في آثاره؛ ويبعث برسالة مفادها أن القوة هنا مسؤولة، وأن حماية السلام تحتاج إلى قدرة تمنع الاعتداء قبل وقوعه.
في أعلى مشهد التوقيع حضرت صورة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود منفردة، بوصفها رمز الدولة ومرجعيتها واستمراريتها. وتحت الصورة جلس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في مركز طاولة التوقيع، فيما توسط العلم السعودي علمي تركيا وباكستان.
سيميائيًا، يحدد العلم الواقع في الوسط مركز المشهد ومكان انعقاده ومرجعيته السياسية. وتعكس هذه الوضعية مكانة المملكة في جمع القدرات وتحويلها إلى مصالح مشتركة، مستندة إلى ثقلها السياسي والاقتصادي والديني، وإلى دورها المحوري في العالمين العربي والإسلامي.
وفي الصور الظاهرة أثناء التوقيع حضرت صورتا مكة المكرمة والمدينة المنورة، لتستحضرا الحرمين الشريفين ومكانتهما العميقة في وجدان شعوب الدول الثلاث. فالسعودية هي أرض الحرمين، والقائمة على خدمتهما ورعايتهما وحفظ أمنهما وأمن قاصديهما، وإليهما تتجه قلوب المسلمين من تركيا وباكستان وسائر أنحاء العالم. وهكذا جمع المشهد بين القداسة والمسؤولية، وبين رابطة الإيمان ودور المملكة في خدمة المقدسات والمسلمين.
وجاء حضور ثلاث سيدات خلف مواقع التوقيع رسالة سيميائية هادئة وواضحة؛ فالنساء شقائق الرجال، والمرأة في الرؤية السعودية حاضرة إلى جانب الرجل، عونًا له وشريكة في بناء الأسرة والمجتمع والدولة، كما أنه عون لها. إنها صورة طبيعية للتكامل الذي يحفظ الهوية والقيم، ويجعل المشاركة جزءًا من بناء الوطن.
أما القراءة الإستراتيجية لاتفاق مكة فتبدأ من التفكير العكسي: ماذا لو لم يوجد الاتفاق؟
في غياب الاتفاق يستطيع أي معتدٍ أن يحسب قوة كل دولة منفردة، وأن يبحث عن الثغرة والتوقيت والأداة المناسبة. بعد الاتفاق يصبح مطالبًا بحساب ثلاثة مجالات جوية، وثلاثة أثقال سياسية، وقواعد صناعية متعددة، وقدرات عسكرية واستخباراتية مختلفة، ومساحات بحرية تمتد من الخليج العربي والبحر الأحمر إلى المتوسط والبحر الأسود وبحر العرب والمحيط الهندي.
هذا هو جوهر الردع الجماعي الذي أسهم في منع المواجهة المباشرة بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد السوفيتي ثم روسيا؛ إذ لم تنشأ قوة «الناتو» من جمع أعداد الجنود والأسلحة فقط، وإنما من إدراك الخصم أن الاعتداء على دولة واحدة قد يستدعي قوة الجميع. والمقارنة هنا تتصل بمنطق الردع، ولا تفترض تطابق المؤسستين؛ فالقيمة الأولى لاتفاق مكة تكمن في إزالة وهم «الهدف المنفرد».
تجمع السعودية وتركيا وباكستان قرابة 368 مليون نسمة، وتمتد فوق مساحة تقارب 3.8 ملايين كيلومتر مربع، ويقترب ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي المجمع من 3.3 تريليونات دولار. وبلغ مجموع إنفاقها العسكري خلال عام 2025 نحو 125 مليار دولار؛ 83.2 مليار دولار للسعودية، و30 مليارًا لتركيا، و11.9 مليارًا لباكستان. ولو قُرئت هذه النفقات ككتلة واحدة لاقتربت من ترتيب أكبر أربع قوى إنفاقًا على الدفاع في العالم.
الأهم من الحجم اختلاف وظائف القوة. تقدم السعودية القيادة السياسية، والثقل الاقتصادي، والطاقة، والقدرة الاستثمارية، والموقع العربي والإسلامي، وتحمل مكانة فريدة بوصفها أرض الحرمين الشريفين وقلب العالم الإسلامي. وتضيف تركيا قاعدة صناعية دفاعية وخبرة في الطائرات المسيّرة والإلكترونيات والمدرعات والسفن. وتضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، وخبرة عملياتية وصناعة صاروخية وجوية، ومكانة نووية تدخل بطبيعتها في تقديرات أي خصم وهو يقيس حدود المخاطرة.
وفي القوة الجوية، يحصي دليل «FlightGlobal» لعام 2026 نحو 364 طائرة قتالية نشطة لدى السعودية، في مقدمتها مقاتلات F-15 و«يوروفايتر تايفون» وطائرات «تورنيدو» الهجومية. وتمتلك باكستان أكثر من 420 طائرة قتالية تشمل F-16 وJ-10C وJF-17 التي تشارك في تصنيعها وتطويرها. ويرتكز سلاح الجو التركي على مقاتلات F-16، إلى جانب طائرات F-4 المطورة، مع تقدم مشروع المقاتلة «قآن»، وخبرة واسعة في المسيّرات من طرازات «بيرقدار» و«أقنجي».
وأقرت واشنطن تسليمات مستقبلية من مقاتلات F-35 للمملكة ضمن حزمة الشراكة الدفاعية السعودية–الأمريكية، فيما أفادت رويترز بأن الطلب السعودي يصل إلى 48 طائرة. ومن شأن دخول هذه المقاتلة الشبحية إلى القوة الجوية السعودية إضافة قدرات متقدمة في دمج المستشعرات، وبناء صورة ميدانية واسعة، وتنفيذ عمليات دقيقة في بيئات دفاعية معقدة.
وعندما تتكامل هذه النوعية مع خبرة تركيا في المسيّرات والحرب الإلكترونية، ومع خبرة باكستان في تشغيل المنظومات الشرقية والغربية وتصنيع JF-17، تنشأ منظومة جوية تجمع التفوق التقني وكثافة العدد ومرونة الإمداد.
ولا تكمن القيمة في امتلاك الطائرات وحدها؛ فالمعارك الحديثة تحسمها المنظومة التي ترى أولًا، وتقرر أسرع، وتحافظ على عملها تحت الضغط. ومن هنا تبرز أهمية التدريبات المشتركة، والإنذار المبكر، والدفاع ضد الصواريخ والمسيّرات، والقيادة والسيطرة، والصيانة، وتكامل المعلومات والاتصالات العسكرية.
وفي المجال البحري، تطل المملكة على الخليج العربي والبحر الأحمر، وتحمي منشآت الطاقة وموانئ التصدير وممرًا يمر عبره جزء مؤثر من تجارة العالم. وتعمل على تحديث قواتها البحرية عبر مشروع «السروات»، الذي تسلم خمس كورفيتات متعددة المهام، وبدأ مرحلته الثانية بثلاث سفن إضافية، إلى جانب أربع سفن قتال سطحية متعددة المهام ضمن مشروع «طويق».
وتشرف تركيا على المضائق الواصلة بين البحر الأسود والبحر المتوسط، وتملك خبرة صناعية في بناء الفرقاطات والكورفيتات ضمن برنامج «ميلغم»، كما تشغّل أسطول غواصات كبيرًا وتُدخل ست غواصات من فئة «رئيس» ذات الدفع المستقل عن الهواء.
أما باكستان فتطل على بحر العرب والمحيط الهندي، وتملك ميناءي كراتشي وغوادر، وتشغّل ثماني غواصات وفق بيانات منشورة في عام 2026، وتنفذ برنامجًا لإدخال ثماني غواصات «هنغور»، تُبنى أربع منها داخل باكستان ضمن برنامج لنقل التقنية.
السعودية تؤمّن قلب البحر الأحمر والخليج ومنشآت الطاقة، وتركيا تضيف خبرة بناء السفن والغواصات والعمل في بحار متداخلة، وباكستان تمنح الاتفاق امتدادًا إلى بحر العرب والمحيط الهندي. وهذا التكامل يخدم حماية ناقلات النفط والغاز، وخطوط التجارة، والكابلات البحرية، والموانئ، ومواجهة الألغام والتهريب والقرصنة والتهديدات العابرة للحدود.
وفي الجانب الاستخباراتي، تتلخص القيمة في تبادل الإنذار المبكر عن الصواريخ والمسيّرات، وتتبع مصادر إطلاقها ومساراتها، ومراقبة التنظيمات الإرهابية وتمويلها، وحماية الممرات البحرية، ومواجهة الهجمات السيبرانية والحملات المضللة. فالدقيقة التي تكسبها المعلومة قد تساوي، في زمن الصواريخ والأسلحة الدقيقة، أسرابًا كاملة من الطائرات.
ويمنح التعاون الصناعي اتفاق مكة عمرًا أطول من الحدث السياسي. تستهدف رؤية السعودية 2030 توطين أكثر من 50% من الإنفاق العسكري، وتعمل الشركة السعودية للصناعات العسكرية «سامي» والهيئة العامة للصناعات العسكرية على نقل المعرفة وبناء سلاسل إمداد وطنية.
ويمكن للخبرة التركية في المسيّرات والإلكترونيات والذخائر والمحركات والسفن، والخبرة الباكستانية في الطائرات والصواريخ والمدرعات والصيانة، أن تدعما المستهدف السعودي عبر الإنتاج داخل المملكة، وتأهيل المهندسين السعوديين، وتطوير منتجات مشتركة، وتوطين قطع الغيار والذخائر والصيانة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
اقتصاديًا، لا تتشابه الدول الثلاث في مصادر قوتها، وهذا ما يمنح التكامل قيمته. وصف صندوق النقد الدولي الاقتصاد السعودي في يونيو 2026 بالمرن والقادر على مواجهة الصدمات، بعدما نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.5% خلال 2025، مدعومًا بالنشاط غير النفطي والطلب المحلي، مع انخفاض التضخم إلى أقل من 2%.
وتتحرك المملكة وفق رؤية السعودية 2030 لتنمية الصناعة والتعدين والسياحة والخدمات اللوجستية والتقنية والطاقة المتجددة والاستثمار الخاص. كما بلغت أصول صندوق الاستثمارات العامة المدارة 913 مليار دولار بنهاية 2024، وبلغ صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي السعودي نحو 415 مليار دولار، بما يعكس عمق الأصول والاحتياطيات التي تستند إليها القوة الاقتصادية السعودية.
ورأى صندوق النقد أن تركيا حافظت على نمو اقتصادي قوي، وخفضت التضخم من 49.4% في سبتمبر 2024 إلى 30.9% بنهاية 2025، مع استمرار الحاجة إلى إصلاحات ترفع الإنتاجية وتعزز الاستقرار. وتتمثل قوة الاقتصاد التركي في تنوع الصناعة والصادرات والمقاولات والسياحة والخدمات اللوجستية، فيما يمثل الاعتماد على واردات النفط والغاز إحدى نقاط الضغط الهيكلية.
أما باكستان فحققت تقدمًا في الاستقرار واستعادة الثقة، وبلغت احتياطيات بنكها المركزي قرابة 16 مليار دولار بنهاية 2025 وفق صندوق النقد الدولي. وتعتمد على الزراعة والمنسوجات والتحويلات المالية والخدمات التقنية، إضافة إلى واردات الطاقة والتمويل الخارجي. وتتمثل نقاط قوتها في حجم السكان، والقاعدة الصناعية، والعمالة الشابة، والصناعات النسيجية، والخدمات الرقمية، والموقع المرتبط بالممر الاقتصادي الصيني.
وتملك السعودية إحدى أهم أوراق الطاقة في العالم؛ إذ تحتوي على نحو 17% من احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، وتدير أرامكو احتياطيات امتياز تقترب من 250 مليار برميل مكافئ نفطي، منها أكثر من 190 مليار برميل من النفط الخام والمكثفات.
وتزداد قيمة هذه الأصول مع خط أنابيب الشرق–الغرب وموانئ البحر الأحمر ومخزونات أرامكو الخارجية، وهي عناصر أتاحت للمملكة إعادة توجيه الصادرات النفطية عند اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز. وهنا تتحول البنية التحتية السعودية نفسها إلى أداة ردع اقتصادي وحماية لأمن الطاقة العالمي.
ولا تتوقف القوة السعودية عند تصدير النفط الخام. تمتد استثمارات أرامكو في التكرير والبتروكيميائيات إلى الولايات المتحدة عبر «موتيفا»، وكوريا الجنوبية عبر «إس أويل»، وماليزيا عبر «برفكيم»، والصين عبر مجمعات التكرير والبتروكيميائيات، وأوروبا عبر الاستثمار في مصفاة غدانسك البولندية. وبذلك أصبحت الطاقة السعودية حاضرة داخل أسواق الاستهلاك وقاراته، وتحولت العلاقة من بيع شحنة نفط إلى شراكة صناعية طويلة الأجل.
وتستفيد تركيا وباكستان من الشراكة السعودية في أمن الإمدادات، والاستثمار في التكرير والتخزين والبتروكيميائيات والطاقة المتجددة. وفي المقابل، تمنح الموانئ التركية موقعًا قريبًا من أوروبا والبحر الأسود، وتمنح الموانئ الباكستانية منفذًا إلى جنوب آسيا والمحيط الهندي. ويمكن لهذه الخريطة أن تخدم النفط والغاز والبتروكيميائيات والهيدروجين والخدمات البحرية، وتوزع المخاطر على مسارات متعددة.
ويضاف إلى ذلك الممر البري بين السعودية والأردن وسوريا وتركيا. فطريق الشمال الدولي القائم يمتد أكثر من 1700 كيلومتر، ويربط دول الخليج بالأردن وسوريا ولبنان وتركيا وصولًا إلى أوروبا، وتعبره سنويًا أعداد كبيرة من المسافرين والشاحنات.
كما يجري بحث إنشاء خط سكة حديد يصل المملكة بتركيا عبر الأردن وسوريا لنقل الركاب والبضائع ومنتجات النفط والغاز. وإذا اكتمل هذا المشروع، ستتحول الجغرافيا من حدود تفصل الأسواق إلى بنية تحتية تصل الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا، وتمنح المملكة مسارًا تجاريًا إضافيًا يعزز مكانتها مركزًا عالميًا للخدمات اللوجستية.
وفي التجارة والاستثمار، تجاوز حجم التبادل التجاري بين السعودية وتركيا 8.6 مليارات دولار وفق بيانات منتدى الأعمال المشترك في 2026، مع استهداف عشرة مليارات دولار في المدى القريب وثلاثين مليارًا في المدى الأبعد. ويعمل في السوق السعودية أكثر من 5600 شركة تركية وفق مجلس الأعمال التركي–السعودي، فيما تجاوزت قيمة المشروعات التي نفذتها الشركات التركية 25 مليار دولار، وبلغ الاستثمار التركي المباشر في المملكة نحو 117 مليون دولار.
وتظهر الاستثمارات السعودية المتجهة إلى تركيا في اتفاق إنشاء محطتين للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ ألفي ميغاواط واستثمار يقدر بملياري دولار، إضافة إلى اتفاق شركة «آفي ليس»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة، لتأجير ثماني طائرات حديثة للخطوط الجوية التركية. وهذه أمثلة على انتقال العلاقات الاقتصادية من التجارة التقليدية إلى الطاقة والبنية التحتية والتمويل والأصول طويلة الأجل.
وبلغ حجم التجارة السعودية–الباكستانية نحو 4.45 مليارات دولار في السنة المالية 2025، تتركز غالبيتها في صادرات الطاقة والبتروكيميائيات السعودية، مقابل المنتجات الغذائية والمنسوجات والسلع الباكستانية. كما تعمل تركيا وباكستان للوصول بحجم تجارتهما الثنائية إلى خمسة مليارات دولار، مع تعاون في الطاقة والتعدين وتقنية المعلومات والصناعات الدفاعية.
وفي التحويلات المالية، أرسل الباكستانيون العاملون في المملكة إلى بلادهم نحو 9.34 مليارات دولار خلال السنة المالية 2025، لتبقى السعودية أكبر مصدر منفرد للتحويلات إلى باكستان. وهذه الأموال ليست حركة مصرفية هامشية؛ فهي تدعم احتياطيات النقد الأجنبي والاستهلاك والاستقرار الأسري، وتربط ملايين الأسر الباكستانية بسوق العمل والاقتصاد السعودي.
ويعيش في المملكة نحو 2.7 مليون باكستاني، إلى جانب جالية تركية تقدر بعشرات الآلاف. وفي الاتجاه الآخر، تمثل تركيا وجهة سياحية مهمة للسعوديين، فيما يأتي الأتراك والباكستانيون إلى المملكة للحج والعمرة والعمل والاستثمار. وهنا تعمل القوة الناعمة من أسفل إلى أعلى، عبر السفر والأسرة والتعليم والتجارة والتجربة الشخصية، لا عبر البيانات الرسمية وحدها.
وفي مؤشر القوة الناعمة العالمي لعام 2026 جاءت السعودية في المرتبة السابعة عشرة، وتركيا في المرتبة الخامسة والعشرين، وباكستان في المرتبة الرابعة والثمانين. وتستند القوة الناعمة السعودية إلى الحرمين الشريفين، والدبلوماسية، والطاقة، والاستثمار، والإعلام، والسياحة، والرياضة، والثقافة، وحضور رؤية 2030.
وتستند القوة التركية إلى السياحة والصناعة والإنتاج الثقافي والإعلامي، فيما تملك باكستان رأسمالًا بشريًا واسعًا، وجاليات دولية كبيرة، وحضورًا باللغتين الأردية والإنجليزية. وعندما تتقاطع هذه الأدوات، يمكن إنتاج خطاب ثقافي وإعلامي يخاطب العالم الإسلامي والشرق والغرب بلغات متعددة.
وتجمع المجتمعات الثلاثة أغلبية مسلمة سنية مع تنوع داخلي يمثل ثراءً اجتماعيًا وثقافيًا. كما تجمعها قيم الترابط الأسري، وصلة الرحم، واحترام الكبير، وإكرام الضيف، والتكافل، والمحافظة على الهوية والقيم الدينية، والارتباط الوجداني بالحرمين الشريفين والقدس. وهذه المشتركات تمنح اتفاق مكة قبولًا شعبيًا لا تستطيع النصوص القانونية وحدها إنتاجه.
وفي البيئة والطاقة النظيفة، تشترك الدول الثلاث في مواجهة تحديات المياه والمناخ والتصحر والأمن الغذائي والكوارث الطبيعية. وتستطيع السعودية نقل خبرتها في تحلية المياه والطاقة الشمسية والمدن الجديدة، فيما تقدم تركيا خبرتها الزراعية والصناعية، وتقدم باكستان خبرتها في الزراعة وإدارة الأنهار ومواجهة الفيضانات. ويمتد التعاون المحتمل إلى الزراعة الذكية، والأمن المائي، والهيدروجين، وخفض الانبعاثات، والإنذار المبكر للكوارث.
وتدخل الطاقة النووية المدنية ضمن معادلة المستقبل. تشغّل باكستان ستة مفاعلات نووية مدنية بقدرة إجمالية تتجاوز 3200 ميغاواط، وتبني تركيا أربعة مفاعلات في محطة «أكويو»، فيما وقّعت السعودية في يوليو 2026 اتفاقًا أمريكيًا للتعاون النووي السلمي، وتتوسع في الطاقة الشمسية والرياح ضمن مستهدفات رؤية 2030.
وتحتفظ الدول الثلاث بعلاقات إستراتيجية متشعبة مع الشرق والغرب. السعودية شريك رئيس للولايات المتحدة، وتوسع في الوقت نفسه علاقاتها مع الصين والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي وشرق آسيا. وتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وترتبط بأوروبا، وتحافظ على قنوات مؤثرة مع روسيا وآسيا الوسطى. وباكستان شريك وثيق للصين عبر الممر الاقتصادي، ولديها علاقات عسكرية واقتصادية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وعضوية في منظمة شنغهاي للتعاون.
وتمنح هذه الشبكات اتفاق مكة قدرة على التواصل مع مراكز دولية متعددة، وتجعله جسرًا بين دوائر سياسية واقتصادية وعسكرية لا تلتقي دائمًا. كما تقلل احتمالات عزل الدول الثلاث داخل محور جغرافي مغلق، وتمنحها مساحة أكبر للحركة والتفاوض وحماية المصالح.
ولا يصح اختزال اتفاق مكة للدفاع المشترك في مواجهة إيران وحدها. المنطقة تواجه صواريخ ومسيّرات وتنظيمات مسلحة وتهديدات للملاحة وهجمات سيبرانية، كما تواجه انفلاتًا عسكريًا إسرائيليًا تجاوز في ساحات متعددة قواعد السيادة والقانون الدولي، مع استمرار عدوان الاحتلال على الشعب الفلسطيني ومحاولاته فرض الوقائع بالقوة.
ومن منظور إستراتيجي، يمكن اعتبار الاتفاق رسالة ردع موجهة إلى السلوك العدواني أيًا كان مصدره. ويدخل الاحتلال الإسرائيلي في حساباته المستقبلية نتيجة ممارساته واتساع عملياته، لا نتيجة إعلان الاتفاق موجهًا ضده. فحين يدرك الاحتلال أن تجاوز الحدود قد يستدعي ثقلًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا أوسع، تضيق حرية استخدام القوة وترتفع كلفة المغامرة.
وفي الوقت نفسه، ينسجم الاتفاق مع السياسة السعودية القائمة على احترام السيادة والقانون الدولي، وتغليب الحوار والحلول السياسية، ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. فالردع في الرؤية السعودية ليس نقيض السلام؛ إنه السياج الذي يمنع المعتدي من تفسير الرغبة في السلام على أنها ضعف.
القيمة التاريخية لاتفاق مكة لن تقاس بعدد الاجتماعات التي ستعقد باسمه، وإنما بمقدار ما يغيره في تفكير من يفكر في الاعتداء. فإذا أنتج إنذارًا مبكرًا مشتركًا، وصناعة دفاعية سعودية أعمق، وممرًا آمنًا للطاقة والتجارة، وتكاملًا جويًا وبحريًا، وتنسيقًا استخباراتيًا سريعًا، فسيصبح منظومة أمن ومصالح وثقافة واقتصاد، لا نصًا محفوظًا في الملفات.
كان السؤال قبل اتفاق مكة: كيف سترد الدولة المستهدفة وحدها؟
وأصبح بعده: ما حجم القوة التي قد يوقظها هذا الاعتداء؟
وحين يتغير السؤال في عقل الخصم، يبدأ الردع قبل إطلاق الرصاصة الأولى.