فارس أنعم

لم تعد الحرب في اليمن حرب جبهات وصواريخ فقط، بل أصبحت حربًا على آخر ما تبقى لليمني من أمل: المساعدات والمنظمات الإنسانية. ما يمارسه الحوثيون منذ عامين ليس مجرد تضييق على العمل الإنساني، بل إستراتيجية ممنهجة لإغلاق اليمن وتحويل موظفي الأمم المتحدة إلى رهائن.

بدأت القصة بشكل سافر في 31 مايو 2024. منذ ذلك التاريخ، نفذت الجماعة سلسلة مداهمات في المناطق الخاضعة لسيطرتها، واحتجزت تعسفيًا 13 موظفًا بالأمم المتحدة وما لا يقل عن 50 موظفًا من منظمات المجتمع المدني اليمنية والدولية. لم تكن تلك نهاية الحملة، بل بدايتها.

تحول الاعتقال إلى عادة شهرية. فبين سبتمبر وديسمبر واصل الحوثيون اعتقال موظفي الأمم المتحدة وداهموا عدة مكاتب للأمم المتحدة ومجمع الأمم المتحدة في صنعاء، وصادروا أجهزة واحتجزوا بعض الموظفين لعدة أيام لاستجوابهم. وفي نوفمبر من العام نفسه، لم يكتفوا بالأمم المتحدة، بل داهموا مكاتب جميع المنظمات الدولية العاملة في مناطقهم، بما في ذلك أطباء بلا حدود واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

المنطق الحوثي واضح ومكشوف. يريدون منظمتين لا أكثر: منظمة صامتة تدفع الرواتب وتوزع الغذاء تحت إشرافهم الكامل، ومنظمة أخرى تسبّح بحمدهم وتغض الطرف عن انتهاكاتهم. وأي منظمة ترفض أن تتحول إلى ذراع مالية وإعلامية للجماعة، يتم اتهام موظفيها بالتجسس.

وهذه هي التهمة الجاهزة. فبعد كل حملة اعتقال، تخرج وزارة خارجية حكومتهم غير المعترف بها لتقول إن الحصانة القانونية لموظفي الأمم المتحدة ينبغي ألا تحمي أنشطة التجسس. وهي نفس الرواية التي رفضتها الأمم المتحدة مرارًا، ووصفتها بأنها مقلقة للغاية لأن وصف موظفي الإغاثة بالجواسيس أو الإرهابيين يعرض حياة موظفينا في كل مكان للخطر.

ما النتيجة؟

أولًا: إفراغ العمل الإنساني من مضمونه. حتى فبراير 2026، ظل 73 موظفًا بالأمم المتحدة وعشرات العاملين بالمجال الإنساني رهن الاحتجاز لدى الحوثيين، جميعهم من اليمنيين. وفي أغسطس 2025 أضيف إليهم 19 موظفًا أمميًا جديدًا في يوم واحد بعد مداهمة مكاتب الأمم المتحدة. بل إن هناك 23 موظفًا أمميًا لا يزالون رهن الاحتجاز منذ أعوام، بينهم معتقلون منذ 2021.

ثانيًا: الشلل الكامل. دفعت هذه الاعتقالات الأمم المتحدة إلى الإعلان في يناير 2025 عن تعليق جميع التحركات الرسمية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وداخلها. وحذرت منظمات حقوقية أن الاعتقالات السابقة أدت إلى تعليق المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة، ما يهدد حياة العديد من اليمنيين الذين يعتمدون على هذه المساعدات للبقاء على قيد الحياة.

وهذا هو بيت القصيد. الحوثي لا يبتز المنظمات الدولية، هو يبتز اليمني الجائع والمريض. هو يعلم أن إغلاق مشروع للمياه في حجة أو تعليق توزيع الغذاء في الحديدة أو إيقاف أدوية في صنعاء لن يؤلم جنيف أو نيويورك بقدر ما يؤلم المواطن اليمني، لكنه يعلم أيضًا أن صراخ ذلك المواطن سيتحول إلى ضغط دولي على المنظمة لتقديم تنازلات: المزيد من الأموال عبر بنوكهم، المزيد من التوظيف لأتباعهم، والمزيد من الصمت.

لقد وصل الأمر بمجلس الأمن نفسه في يونيو 2026، ومع حلول الذكرى السنوية الثانية لعمليات الاحتجاز، أن يجدد إدانته بأشد العبارات لعمليات الاحتجاز التي قام بها الحوثيون لموظفين في منظومة الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية. لكن الإدانات لم تعد تكفي.

ما نحتاج إلى قوله بوضوح اليوم: إن استمرار اعتقال 73 يمنيًا يعملون في الإغاثة ليس ملفًا حقوقيًا عابرًا، بل جريمة حرب مكتملة الأركان. إنه استخدام للمدنيين كدروع بشرية وتجويع ممنهج للمجتمع.

على الأمم المتحدة أن تتوقف عن سياسة الاحتواء الخجول. لا يمكن أن يستمر مئات الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين بينما رفاقهم في السجون بلا تهم ولا محامين ولا تواصل مع عائلاتهم. إما عمل إنساني حر ومحمي بضمانات حقيقية وإفراج فوري وغير مشروط عن جميع المحتجزين كما طالب الأمين العام، وإما انسحاب منظم يعلن للعالم أن من يمنع الدواء والغذاء عن شعبه هو الحوثي وحده، وليس المجتمع الدولي.

أغلقت معظم المشاريع، نعم. لكن من أغلقها ليس نقص التمويل، بل عقلية الميليشيا التي ترى في كل حقيبة إسعافات وكل كيس قمح تهديدًا لسلطتها.

* صحفي وكاتب يمني