في السابع من أغسطس، وبينما كانت الأقلام توقع في قصر الصفا بمكة المكرمة على «اتفاقية الدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، كنت بين المصلين في الحرم الشريف.

لم تكن المسافة بعيدة، ولم تكن اللحظة منفصلة. في ذلك اليوم، كانت خطبة المسجد الحرام تدعو إلى تآخي المسلمين ووحدتهم، وفي اللحظة ذاتها تقريبًا كانت ثلاث دول تضع توقيعها على مبدأ واضح: إن أي هجوم مسلح على إحداها يُعد هجومًا على الجميع. بين المنبر الذي يدعو إلى الوحدة، والقاعة التي تُبرم التضامن الدفاعي، مسافة قصيرة في الجغرافيا، وعمق كبير في الدلالة. هنا يتجلّى المعنى الذي يتجاوز الخبر العابر: أن القرار السياسي والدعوة الروحية سارا في اتجاه واحد، في أطهر مكان، وفي يوم واحد. الاتفاقية لم تكن مجرد ترتيب أمني يُضاف إلى ملفات التعاون.

كانت إعلانًا هادئًا عن انتقال في منطق القوة: من انتظار التهديد إلى هندسة الردع، ومن الاعتماد الأحادي إلى بناء شبكة قدرات متكاملة تجعل حساب الاعتداء أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة. ما يميز هذه الخطوة أنها جمعت ثلاث قدرات مختلفة ومتكاملة:


ثقلًا إستراتيجيًا واقتصاديًا سعوديًا، صناعة دفاعية تركية متقدمة وخبرة ميدانية واسعة، ورافعة عسكرية باكستانية ذات خبرة وعمق إستراتيجي. لم تُبنَ على التشابه، بل على التكامل. وهذا أذكى أنواع الشراكات: تلك التي لا تبحث عن نسخ متطابقة، بل عن نقاط قوة تُكمل بعضها بعضًا.

اختيار مكة مكانًا للتوقيع لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا؛ فالدول الثلاث اختارت أن تُعلن هذا الإطار من أطهر بقاع الأرض، في رسالة مزدوجة: أن الأمن هنا ليس مشروعًا طائفيًا ولا محورًا مذهبيًا، بل قرار سيادي ينطلق من مصالح مشتركة وروابط تاريخية، ويُعلن من مكان يتجاوز السياسة اليومية.

و أكدت التصريحات الرسمية أن الاتفاقية لا تستهدف أحدًا، ولا تسعى لسباق تسلح، ولا ترتبط بطموحات نووية، بل تركز على بناء قدرات ذاتية مستدامة، وأنها تُكمل الشراكات القائمة ولا تحل محلها. وفي الحرم، في اليوم نفسه، كانت الخطبة تذكّر بما هو أوسع من السياسة: أن تآخي

المسلمين ووحدتهم ليس شعارًا موسميًا، بل ضرورة وجودية. فكان القرار السياسي والدعوة الدينية يسيران معًا، في تزامن لا يُلغى بالمصادفة. فهو يذكر بأن أعظم القرارات لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تُوضع في سياقها الأوسع: سياق المكان، وسياق القيمة، وسياق المسؤولية.

في عالم يميل فيه البعض إلى تحويل كل تحرك إلى محور أو استقطاب، جاءت اتفاقية مكة لتقول شيئًا مختلفًا: أن الدول القادرة على قراءة حدود الاعتماد على طرف واحد تبني شبكات ردع إضافية بهدوء، وأن الردع الحقيقي يبدأ حين تُصمم المنظومة قبل أن تُختبر، وأن الوحدة سواء في معناها الروحي أو في صيغتها الدفاعية تظل أحد أثمن ما يمكن المحافظة عليه. لم أكن يومها متفرجًا على خبر يُقرأ من بعيد. كنت في المكان الذي اختير له أن يكون شاهدًا. وبين دعاء المصلين في الحرم، وتوقيع القادة في قصر الصفا، كان المعنى أوضح من أي بيان: أن الأمن الذي يُبنى في أروقة القرار يستمد قوته من القيمة التي يُعلن من أجلها، ومن المكان الذي يُختار له، ومن النضج الذي يجعل القرار يسبق الضجيج. وهناك، في هذا الالتقاء بين القرار والمعنى، يكمن جوهر ما جرى في مكة.