وكلمة (هكذا أنا) هنا تؤدي وظيفة شبيهة بالشمع الأحمر الذي كانت الجهات الرسمية تضعه على الأبواب قديمًا. انتهى الموضوع. ممنوع الفتح.
لكن هناك نشاطًا بشريًا مزعجًا اسمه التدريب. وهو مزعج لأنه لا يحترم (هكذا أنا) كثيرا. التدريب يقوم أساسًا على افتراض أن ما أنت عليه الآن ليس بالضرورة ما ستكون عليه بعد سنة. وهذا افتراض مقلق. لأنه إذا كان صحيحًا، فسوف نضطر إلى مراجعة عدد كبير من الأعذار التي اختلقناها خلال حياتنا.
من الأشياء التي أقدرها في المؤسسة التي أعمل بها اهتمامها المستمر بتدريب منسوبيها. في مثل هذه الأيام من كل عام يظهر هذا الاهتمام بوضوح. برامج تدريبية. قاعات. مدربون، استمارات تقويم. هناك شيء يتحرك في كل مكان، والفكرة في ظاهرها واضحة: المؤسسة تريد تطوير موظفيها، لكنني أظن أن خلف هذا معنى أكثر عمقًا.
حين تقرر مؤسسة أن تدرب موظفًا خدم فيها عشرين عامًا، فهي تقول له بأدب شديد: خبرتك محترمة... لكنها ليست نهاية المعرفة. وقد يكون هذا أكثر الأشياء التي يحتاج صاحب الخبرة إلى سماعها، وأقلها رغبة في سماعها في الوقت ذاته.
نحن نتصور أحيانًا أن الخبرة هي أن تفعل الشيء نفسه سنوات طويلة، ليس بالضرورة، يمكنك أن ترتكب الخطأ نفسه عشرين عامًا، وهذه ليست خبرة عشرين عامًا، إنها خبرة خطأ واحد حافظت عليه بإخلاص عجيب.
التدريب يفترض أنك تستطيع أن تعيد النظر، أن تتعلم طريقة أخرى، أن تكتشف أن ما كنت تفعله منذ زمن ليس مقدسًا لمجرد أنك تفعله منذ زمن.
وهذا يقود إلى الحديث عن الموهبة. الكلمة التي أحببناها أكثر مما ينبغي. منذ طفولتنا ونحن نقسم الناس: موهوب، غير موهوب، ذكي، عادي، قيادي، خجول، لغوي، رياضي. ومع مرور السنوات يتحول الوصف إلى قدر. الطفل الذي قيل له إنه ضعيف في الرياضيات يكبر وهو يقول: أنا لا أفهم الرياضيات. ولا يقول: كنت ضعيفًا فيها. هناك فرق هائل بين الجملتين؛ الأولى تاريخ. والثانية هوية، أو العكس... على كل حال، تعرف ما أقصد.
الموهبة موجودة بالطبع. ولن أقول لك تلك الجملة الحماسية التي تقول إن كل إنسان يستطيع أن يصبح أي شيء يريده. لا أستطيع أن أصبح لاعب كرة محترفًا الآن مهما آمنت بنفسي، وهناك اتحاد كرة القدم نفسه سيكون له اعتراض وجيه، البشر مختلفون في الاستعداد وفي الذكاء وفي سرعة التعلم وفي القدرات الجسدية. لكن وجود الفروق شيء، وتحويلها إلى أحكام نهائية شيء آخر.
ولدي حجة كنت أراها دامغة ثم بدأت أشك فيها؛ حيوانات السيرك.. انظر إلى الأسد، يمكن تدريبه على الاستجابة لإشارات. والفيل يتقن حركات معينة. والدلفين يلعب بالكرة، والقرد يقود الدراجة، كنت أقول: إذا كان الحيوان يستطيع بالتدريب أن يكتسب مهارة، فما حجة الإنسان؟ ثم فكرت قليلًا. الحيوان لا يملك حجتنا أصلًا. وهنا تكمن ميزته، القرد لا يقول: أنا لست من النوع الذي يقود الدراجات. ولا يقول الأسد: جربت مرتين ولم أشعر أن هذا المجال يناسبني. ولا يدخل الدلفين في أزمة نفسية بعد أول محاولة فاشلة ويقرر أن موهبته الحقيقية في مجال آخر، لكن نحن نفعل، ربما منحنا العقل قدرة هائلة على التعلم... ومنحنا في الوقت نفسه قدرة أكثر هولًا على اختراع الأسباب التي تمنعنا منه.
قابلت الدكتور باسل عبد اللطيف في أحد الممرات. نظر إلي ثم قال: لماذا لم تحضر الدورة؟ قلت: تأجلت إلى الغد. ثم سألته بابتسامة ماكرة: لماذا كل هذا الاهتمام بالتدريب؟ نظر إليّ باستنكار. كان يحمل ملفا ضخما، ولا أعرف لماذا أشعر دائمًا أن الإنسان الذي يحمل ملفا ضخما أكثر استعدادًا لإصدار الأحكام من الإنسان الأعزل. قال: يا بني، ربما تُقاس جودة أي مؤسسة بجودة تدريبها. (يا بني!)
الدكتور باسل يكبرني بأربعة أعوام فقط. وقد حاولت أن أفهم كيف سمحت له السنوات الأربع بتبني دون علمي، ثم قررت أن هذه إحدى المسائل التي يجب قبولها كما هي. تابع: التدريب عملية مستمرة لتحسين الأداء وإكساب الفرد المهارة اللازمة وتطويرها. ثم بدأ يتحدث عن: أثر التدريب، فاعلية التدريب، كفاءة التدريب، نقل أثر التدريب. قلت: نعم. ولا أعرف لأي شيء تحديدًا قلت نعم.
بعد ذلك عدت إلى عبارة (أثر التدريب) ما الأثر؟ ربما هو أبسط مقياس وأشده قسوة. هل تغير شيء؟ هذا كل ما في الأمر. حضرت دورة؟ جميل. هل تغير شيء؟ أخذت شهادة؟ ممتاز. هل تغير شيء؟ أعجبك المدرب؟ سعداء من أجلك. هل تغير شيء؟ السؤال عن الأثر لا يهتم كثيرًا بمشاعرك تجاه الدورة. إنه يريد أن يعرف ماذا أصبحت تفعل بطريقة مختلفة.
هنا أدركت أن التدريب ليس جمع معلومات. نحن نعرف أشياء كثيرة لا نفعلها. نعرف فوائد الرياضة. ونعرف أضرار الإفراط في الطعام. ونعرف أن الغضب سيئ. ونعرف أن الإنصات مهم. ونعرف أن العبث بالجوال قبل النوم ليس فكرة عظيمة. ولو كانت المعرفة وحدها تصلح الإنسان لكنا جميعًا نماذج بشرية ممتازة. لكننا لسنا كذلك، وهذه معلومة يمكن التحقق منها بسهولة بمجرد قيادة السيارة في وقت الذروة.
المهارة شيء آخر. هي معرفة عبرت من الرأس إلى السلوك، وهذه رحلة طويلة، ربما لهذا يستخدم أهل التدريب تعبير (نقل أثر التدريب). تعلمت داخل القاعة. فهل خرج ما تعلمته معك؟ هل وصل إلى مكتبك؟ إلى فصلك؟ إلى طريقة تعاملك؟ أم أن الذي خرج من القاعة كان أنت والشهادة والقلم المجاني فقط؟
وهنا يصبح التدريب مخيفًا قليلًا. لأنه لا يغير ما نفعله فقط. قد يغير فكرتنا عما نحن عليه. الرجل الذي يقول عشرين عامًا: (أنا لا أستطيع الحديث أمام الناس) ثم يتدرب، ويتلعثم، ويتدرب، ويرتبك، ويتدرب... ثم يقف ذات يوم ويتحدث جيدًا. ماذا حدث لعبارة «أنا هكذا»؟ أين ذهبت؟ ربما لم تكن «هكذا» أصلًا. ربما كنت فقط غير مدرَّب.
وهذه فكرة لا أحبها كثيرًا. لأنني، مثل كل إنسان محترم، أملك قائمة طويلة من الأشياء التي أعلنت أنني لا أجيدها. والآن يأتي التدريب ليطالبني بإعادة فتح الملفات القديمة. هل لا أجيدها فعلًا؟ أم لم أتدرب؟ هل وصلت إلى سقف قدرتي؟ أم وصلت إلى سقف صبري؟ هل فشلت؟ أم توقفت مبكرًا؟
أسئلة مزعجة. كنت مرتاحًا أكثر قبل هذا المقال.
في اليوم التالي حضرت الدورة. قابلت الدكتور باسل. قال: ممتاز يا بني. قلت: صباح الخير دكتور. ولم أناقش (يا بني). لاحظت هذا بعد أن ابتعدت قليلا. قبل أيام كانت العبارة تستفزني، والآن مرَّت بسلام. تكرار، اعتياد، تغير في السلوك، توقفت. نظرت خلفي إلى الدكتور باسل. كان قد مضى في طريقه. وفكرت أن الرجل ربما أثبت نظريته دون أن يقصد. لقد دربني على تقبل (يا بني). ابتسمت ودخلت القاعة. لكن سؤالا واحدًا ظل يزعجني: إذا كان التدريب يستطيع أن يغير حتى الأشياء التي كنت أظنها جزءًا مني... فكم شيء في شخصيتي هو (أنا) فعلا؟ وكم شيء ليس أكثر من عادة قديمة كررتها طويلا... حتى ظننت أنها أنا؟