في اللغة كلمة «أنسنة» مشتقة من كلمة إنسان، وتعني باختصار إضافة الحس الإنساني على الأشياء، لجعلها أكثر انسجامًا مع حياة الإنسان وطبيعته، كأنسنة المدن والطرق والحدائق لتكون بيئات صالحة للمجتمع صحيًا ونفسيًا وجسديًا، وقد سخّرت جميع الدول إمكانياتها لتضيف على مشاريعها التنموية الطابع الإنساني بكل ما فيه، كي لا يشعر البشر بعدم الانتماء لبيئتهم المعيشية أو العملية أو التعليمية وحتى الرياضية.

ولكن ماذا عن أنسنة الأفراد؟

في وقت تُضاف السمات الإنسانية على المنشآت الإسمنتية لتصل إلى الحس الوجداني العميق الذي يتميز به الإنسان، قد تبدو البشرية خسرت قيمها الإنسانية في تعاملها مع بعضها البعض وفي تعاطيهم حتى مع المواقف العابرة، ولعل أبرز ما يسهم في هذا التجريد طغيان الرقمنة على تفاصيل الحياة اليومية، حيث فرضت إيقاعًا سريعًا جعل من الإنسان شبه آلة تلبي وترفض دون تلك المشاعر والأحاسيس التي خص الله بها البشر.


ولا يتوقف الأمر عند طغيان الرقمنة فحسب، بل يمتد إلى الانغماس في مقارنات وهمية بين بعضهم البعض عبر مواقع التواصل، لتجعل الفرد ينظر للآخر تلقائيًا كمنافس له وعليه التغلب على الآخرين، مما يسبب علاقة تضادية لا أصل لها.

إن أجمل ما يتميز به الإنسان سماته، وآلية تفكيره وتعبيره وإحساسه وانحيازه للقيم ومرونة تعامله، وقد تتلاشى جميعها إن لم يدرك الفرد أصل إنسانيته وعمق ذاته وصونها أمام صخب الرقمنة والمقارنة.