هاني إبراهيم المشيقح

عادة ما تقرأ وثائق التنمية بعين الاقتصادي، من خلال الأرقام والمؤشرات ونسب النمو. غير أن كل مشروع نهضوي كبير يحمل في بنيته الإجرائية تصورًا ضمنيًا عن الإنسان، وعن الخير الذي يستحق أن يسعى إليه. وهذا التصور- سواء صرح به أم ظل مضمرًا- هو موضوع الفلسفة بامتياز. ورؤية المملكة 2030، حين تقرأ بهذه العين، تنكشف بوصفها نصًا فلسفيًا بقدر ما هي خطة تنموية؛ نصًا يمكن أن نستخرج منه رؤيتها للإنسان، واتجاهاتها القيمية، ومنهجها في التسويغ العقلي.

أولًا: الانتقال من سؤال «كيف» إلى سؤال «لماذا» تجيب الخطط التنموية التقليدية عن سؤال الوسائل: كيف نرفع الناتج المحلي؟ كيف نوسع البنية التحتية؟ أما اللحظة الفلسفية فتبدأ حين يطرح سؤال الغاية: لأجل ماذا كل هذا؟ وهنا تتموضع الرؤية موضعًا لافتًا، فحين تجعل من «جودة الحياة» برنامجًا وطنيًا قائمًا بذاته، وحين تصوغ ركيزة كاملة تحت عنوان «مجتمع حيوي»، فإنها تكون قد أدرجت في صلب الخطاب الرسمي مفهومًا لا يقاس بالأدوات الاقتصادية وحدها، فـ«جودة الحياة» ليست مقولة اقتصادية، بل هي الصيغة المعاصرة لسؤال قديم قدم الفلسفة نفسها: ما الحياة التي تستحق أن تعاش؟ سؤال شغل أرسطو تحت اسم السعادة، وشغل الفكر الإسلامي تحت عنوان «الحياة الطيبة» ومقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والنسل.

وحين تجعل الرؤية رفاه الإنسان وتنمية قدراته في صميم برامجها، فإنها تلتقي- من مدخلها الخاص- مع مبدأ أخلاقي مركزي: ألا يعامل الإنسان بوصفه وسيلة فحسب، بل غاية في ذاته أيضًا. ويجسد برنامج تنمية القدرات البشرية هذا المعنى مؤسسيًا؛ فالقدرة، لا الإنتاجية وحدها، هي وحدة القياس.

ثانيًا: المعجم الجديد بوصفه تحولًا في العالم أجد أن من أعمق التجليات الفلسفية للرؤية، وأقلها التفاتًا، أنها أدخلت معجمًا مفاهيميًا جديدًا إلى التداول العام: التمكين، والاستدامة، والحوكمة، والشفافية، ورأس المال البشري، والشراكة، وجودة الحياة. قد يبدو هذا تفصيلًا لغويًا، لكنه ليس كذلك؛ فمن الدروس الكبرى في فلسفة اللغة المعاصرة أن معنى اللفظ يتحدد باستعماله داخل نشاط إنساني قائم.

فحين تصبح «الحوكمة» مصطلحًا متداولًا في اجتماع إداري في بريدة أو أبها، فإن ما يتغير ليس الألفاظ، بل قواعد الممارسة نفسها: من يسأل، وعن ماذا يسأل، وبأي معيار يحاسب. وهذا قريب من وعي أصولي عريق في تراثنا، يتمثل في أن ضبط دلالات الألفاظ ليس ترفًا لغويًا، بل شرطًا لصحة الاستنباط وسلامة الحكم. وهكذا تكون الرؤية -من غير أن تقصد التنظير- قد أعادت تفعيل هذا الوعي بأن إصلاح المفاهيم مقدمة لإصلاح الممارسات.

ثالثًا: ثقافة التسويغ ومنطق المؤشرات ثمة تجل ثالث ذو طابع معرفي خالص؛ فالرؤية بنت نفسها على منظومة من المؤشرات والمستهدفات القابلة للقياس والمراجعة الدورية. وقد يقرأ ذلك بوصفه إجراء إداريًا، لكنه في العمق التزام بمبدأ معرفي: أن الدعوى تحتاج إلى ما يسندها، وأن لكل قرار سببًا يمكن عرضه ومناقشته وتصويبه. وهذا هو جوهر ما يسميه الفلاسفة «فضاء الأسباب»؛ أي أن تنتقل الجماعة من ثقافة تكتفي بالتقرير إلى ثقافة تطالب فيها الدعاوى بالتبرير والمساءلة. ومنطق المؤشرات ليس إجراء تنظيميًا فحسب؛ بل هو صيغة مؤسسية للعقلانية النقدية، تجعل الخطأ قابلًا للاكتشاف والتصحيح بدل أن يظل محصنًا.

رابعًا: عودة الفلسفة إلى المقعد الدراسي يبقى التجلي الأوضح والأكثر مباشرة: حضور التفكير الناقد والمضامين الفلسفية في التعليم العام، ونشوء كيانات علمية متخصصة كجمعية الفلسفة السعودية، وتنامي الملتقيات والمؤتمرات والترجمات الفلسفية في المشهد الثقافي المحلي.

هذه الخطوة تحمل دلالة تتجاوز إضافة مقرر إلى جدول: إنها اعتراف بأن بناء الإنسان لا يكتمل بتزويده بالمعلومات، بل بتمكينه من أدوات فحصها، فالمجتمع الذي يريد اقتصادًا معرفيًا لا يستطيع أن يكتفي بمستهلكي معرفة؛ عليه أن ينتج عقولًا تحسن التمييز بين الدعوى والدليل، وبين المفهوم والشعار.

أرى أن الوفاء لروح المقال يقتضي ألا ينتهي إلى تصفيق، فالتجليات التي رصدناها تظل -إلى حد بعيد- تجليات في طور التشكل، ومعرضة لخطرين: أولهما اختزال الفلسفة في مقرر دراسي، فتدرس تواريخ المذاهب وأسماء الفلاسفة، بينما تظل الممارسة العقلية النقدية خارج الفصل. فالفلسفة ليست معلومات عن الفلاسفة؛ إنها مهارة في التفكير الناقد وبناء الحجج وتحليل المفاهيم وإزالة الغموض.

وثانيهما تحويلها إلى أداة تسويقية، تستدعى لتزيين الخطاب لا لمساءلته، وهذا نقيض وظيفتها؛ فقيمة الفلسفة في أنها تظل قادرة على أن تسأل المشروع الذي تنتمي إليه، لا أن تكتفي بمدحه.

المرحلة القادمة تقتضي نقلة في الموقع: أن ينتقل الوعي الفلسفي من كونه أثرًا من آثار الرؤية إلى كونه أداة من أدواتها؛ حاضرًا في تحليل السياسات، وفي بناء المناهج، وفي تحرير المفاهيم قبل أن تتصلب شعارات، فالأمم لا تبنى بالخطط وحدها، بل بجودة الأسئلة التي تجرؤ على طرحها على نفسها.