سمر عيسى نمازي
تخيل أن تستيقظ ذات صباح، فتجد أن الأشياء التي تعرفها جيدًا لم تعد مألوفة. وجه زوجك يبدو غريبًا، أصوات المنزل تحمل رسائل خفية، وطفلك الذي انتظرته طويلًا لم يعد مصدر الطمأنينة، بل صار محور خوفٍ لا تستطيع تفسيره. أنت لا تتخيل الأمر من وجهة نظرك؛ أنت متأكد منه. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: حين يصبح الوهم أكثر إقناعًا من الحقيقة.
قد يبدو المشهد كأنه جزء من رواية عن الجنون، لكنه قد يكون في الحقيقة بداية ذهان ما بعد الولادة؛ اضطراب نادر يصيب نحو 1 إلى 2 من كل ألف امرأة بعد الولادة، وأكثرها حاجة إلى التدخل العاجل. وفيه قد تفقد المرأة اتصالها بالواقع، فتسمع أصواتًا لا يسمعها الآخرون، أو تؤمن بأفكار لا تستند إلى الواقع، أو تدخل في حالة من الارتباك والتغير الشديد في السلوك والمزاج.
أخطر ما في الذهان أن المريض لا يعرف أنه مريض، نحن نتصور الجنون كشيء واضح: شخص يتحدث إلى الفراغ، أو يتصرف بطريقة لا يفهمها أحد. لكن الحقيقة ليست بهذه البساطة، وربما كانت أقسى مما نتصور. قد تبدو الفكرة للمريضة منطقية تمامًا، وقد يصبح اعتراض الآخرين عليها دليلًا إضافيًا، في نظرها، على أن هناك شيئًا يُخفي عنها.
قد تعتقد أن طفلها في خطر، أو أن أحدًا يريد سرقته، أو أن هناك من يراقبها. وقد تسمع صوتًا يأمرها بشيء أو يحذرها من شيء. وبينما يحاول من حولها إقناعها بأن ما تراه غير حقيقي، تكون هي عالقة داخل واقع آخر لا يستطيع أحد رؤيته.
وهنا لا يعود السؤال: «لماذا لا تتوقف عن التفكير بهذه الطريقة؟»؛ فالإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع فكرة يؤمن بأنها حقيقة وكأنها مجرد فكرة يمكن إطفاؤها.
المرأة التي يخاف منها الآخرون قد تكون هي الأكثر خوفًا: من السهل أن نحكم على أم تقول أشياء غريبة بعد ولادتها. الأصعب أن نتوقف لحظة ونسأل: ماذا لو كانت هي نفسها مرعوبة مما يحدث؟
ذهان ما بعد الولادة لا يجعل المرأة أمًا سيئة، ولا يعني أنها لا تحب طفلها. المرض قد يشوّه إدراكها للواقع، فيجعل خوفها يبدو لها كأنه حقيقة، وربما يجعلها تبتعد عن طفلها لا لأنها تكرهه، بل لأنها تعتقد أنها تحميه.
وربما تكمن إحدى أكثر مفارقات المرض إيلامًا في أن يتحول الحب نفسه، تحت تأثير الذهان، إلى شيء تخاف منه الأم بدلًا من أن تطمئن إليه.
الحزن بعد الولادة شائع، والأكتئاب قد يكون شديدًا ويحتاج إلى علاج، لكن الذهان شيء مختلف. عندما تظهر الهلاوس أو الأوهام أو الارتباك الشديد أو فقدان واضح للاتصال بالواقع، فنحن أمام حالة تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
وقد يظهر الذهان بصورة مفاجئة، غالبًا خلال الأيام أو الأسبوعين الأولين بعد الولادة، وترتفع احتماليته لدى بعض النساء، خصوصًا مع وجود تاريخ شخصي لاضطراب ثنائي القطب أو الذهان، أو تاريخ عائلي لبعض الاضطرابات النفسية. ومع ذلك، يمكن أن يحدث حتى لدى امرأة لم يكن لديها تاريخ نفسي واضح.
ولهذا قد يكون من الخطير أن تُفسَّر هذه الأعراض سريعًا على أنها مجرد «تعب» أو «هرمونات».
إذا بدأت الأم ترى أو تسمع أشياء لا يراها الآخرون، أو أصبحت شديدة الارتباك، أو ظهرت لديها معتقدات غريبة وثابتة، أو تغير سلوكها بصورة حادة، فلا ينبغي انتظار أن تمر الحالة وحدها. وذهان ما بعد الولادة في حد ذاته حالة طارئة تستوجب طلب المساعدة الطبية العاجلة، وتزداد الخطورة إذا ظهرت أفكار بإيذاء نفسها أو طفلها، مع عدم تركها وحدها إذا كان هناك خطر.
العلاج موجود، والتعافي ممكن. وغالبًا ما تحتاج الحالة إلى رعاية متخصصة وعلاج دوائي ومراقبة في المستشفى، خصوصًا في المرحلة الحادة. وفي بعض الحالات قد تُقدَّم الرعاية في وحدة متخصصة للأم والطفل، بما يسمح للأم بتلقي العلاج مع طفلها متى كان ذلك مناسبًا.
لكن أول خطوة في العلاج هي أن يتوقف من حول المرأة عن رؤيتها باعتبارها «مجنونة» أو «أمًا سيئة»، وأن يروها كما هي فعلًا: إنسانة مريضة تحتاج إلى أن تُنقذ.
ماذا لو كان العقل هو الذي يكذب عليك؟
ربما هذا هو السؤال الأكثر رعبًا في هذه الحكاية. نستطيع أن نشك في الآخرين، لكن كيف نشك في أعيننا؟ في أصواتنا؟ في أفكارنا؟ في الأشياء التي يخبرنا بها عقلنا كل يوم؟
حين يصاب الإنسان بذهان ما بعد الولادة، قد لا يكون سجنه غرفة مغلقة ولا مستشفىً بعيدًا؛ قد يكون رأسه نفسه. عالم كامل يتكوّن داخله، له منطقه وأصواته ومخاوفه، بينما يقف الآخرون خارجه عاجزين عن رؤية ما يراه.
ومع ذلك، فإن المرض، مهما بدا مظلمًا، لا يعني أن النهاية قد كُتبت. قد يعود العقل إلى مكانه. قد تخفت الأصوات. قد تنهار الأوهام تحت وطأة العلاج. وقد تنظر الأم يومًا إلى طفلها من جديد، لا باعتباره مصدرًا للخوف، بل باعتباره الطفل الذي كانت تحاول، طوال ذلك الوقت، أن تحميه حتى وهي لا تعرف مما تحميه.
لأن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد عقله... بل أن يظل عقله معه، وهو لا يستطيع أن يثق به.
إخلاء مسؤولية: قد يحتوي هذا البريد الالكتروني ومرفقاته على معلومات سرية وهامة وإذا لم تكن الشخص المعني بالاستلام، نرجو إبلاغ المرسل على الفور بالرد من خلال رسالة بريد الكتروني وحذف هذه الرسالة وإتلاف أي نسخة منها فورا. إن أي نشر أو كش أو نسخ أو استخدام لهذه المعلومات من شخص آخر بخلاف المستلم المعني يعتبر استخداما غير مصرح به و أمرا مخالفا للقانون. لا تعتبر مؤسسة عسير للصحافة والنشر «صحيفة الوطن» أو موظفيها مسؤولين عن أي رسائل مزيفة تصل إليكم من عناوين البريد
الالكتروني للمؤسسة، ولا تتحمل مؤسسة عسير للصحافة والنشر «صحيفة الوطن» أي مسؤولية عن الأضرار الناتجة عن أي فيروسات قد يحملها هذا البريد الالكتروني.
Disclaimer: This e-mail and its attachments may contain confidential and important information. If you are not the recipient, please inform the sender immediately of the response through an e-mail message and delete this message and destroy any copy of it immediately. Any posting, disclosure, copying or use of this information by a person other than the intended recipient is considered unauthorized use and is against the law. Neither the Aseer establishment for Press and Publication " Al-Watan Newspaper ” or its employees are responsible for any false messages that reach you from the organization’s email addresses, and the Aseer establishment for Press and Publication does not bear any responsibility for the damages resulting from any viruses that this email may carry
قد يبدو المشهد كأنه جزء من رواية عن الجنون، لكنه قد يكون في الحقيقة بداية ذهان ما بعد الولادة؛ اضطراب نادر يصيب نحو 1 إلى 2 من كل ألف امرأة بعد الولادة، وأكثرها حاجة إلى التدخل العاجل. وفيه قد تفقد المرأة اتصالها بالواقع، فتسمع أصواتًا لا يسمعها الآخرون، أو تؤمن بأفكار لا تستند إلى الواقع، أو تدخل في حالة من الارتباك والتغير الشديد في السلوك والمزاج.
أخطر ما في الذهان أن المريض لا يعرف أنه مريض، نحن نتصور الجنون كشيء واضح: شخص يتحدث إلى الفراغ، أو يتصرف بطريقة لا يفهمها أحد. لكن الحقيقة ليست بهذه البساطة، وربما كانت أقسى مما نتصور. قد تبدو الفكرة للمريضة منطقية تمامًا، وقد يصبح اعتراض الآخرين عليها دليلًا إضافيًا، في نظرها، على أن هناك شيئًا يُخفي عنها.
قد تعتقد أن طفلها في خطر، أو أن أحدًا يريد سرقته، أو أن هناك من يراقبها. وقد تسمع صوتًا يأمرها بشيء أو يحذرها من شيء. وبينما يحاول من حولها إقناعها بأن ما تراه غير حقيقي، تكون هي عالقة داخل واقع آخر لا يستطيع أحد رؤيته.
وهنا لا يعود السؤال: «لماذا لا تتوقف عن التفكير بهذه الطريقة؟»؛ فالإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع فكرة يؤمن بأنها حقيقة وكأنها مجرد فكرة يمكن إطفاؤها.
المرأة التي يخاف منها الآخرون قد تكون هي الأكثر خوفًا: من السهل أن نحكم على أم تقول أشياء غريبة بعد ولادتها. الأصعب أن نتوقف لحظة ونسأل: ماذا لو كانت هي نفسها مرعوبة مما يحدث؟
ذهان ما بعد الولادة لا يجعل المرأة أمًا سيئة، ولا يعني أنها لا تحب طفلها. المرض قد يشوّه إدراكها للواقع، فيجعل خوفها يبدو لها كأنه حقيقة، وربما يجعلها تبتعد عن طفلها لا لأنها تكرهه، بل لأنها تعتقد أنها تحميه.
وربما تكمن إحدى أكثر مفارقات المرض إيلامًا في أن يتحول الحب نفسه، تحت تأثير الذهان، إلى شيء تخاف منه الأم بدلًا من أن تطمئن إليه.
الحزن بعد الولادة شائع، والأكتئاب قد يكون شديدًا ويحتاج إلى علاج، لكن الذهان شيء مختلف. عندما تظهر الهلاوس أو الأوهام أو الارتباك الشديد أو فقدان واضح للاتصال بالواقع، فنحن أمام حالة تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا.
وقد يظهر الذهان بصورة مفاجئة، غالبًا خلال الأيام أو الأسبوعين الأولين بعد الولادة، وترتفع احتماليته لدى بعض النساء، خصوصًا مع وجود تاريخ شخصي لاضطراب ثنائي القطب أو الذهان، أو تاريخ عائلي لبعض الاضطرابات النفسية. ومع ذلك، يمكن أن يحدث حتى لدى امرأة لم يكن لديها تاريخ نفسي واضح.
ولهذا قد يكون من الخطير أن تُفسَّر هذه الأعراض سريعًا على أنها مجرد «تعب» أو «هرمونات».
إذا بدأت الأم ترى أو تسمع أشياء لا يراها الآخرون، أو أصبحت شديدة الارتباك، أو ظهرت لديها معتقدات غريبة وثابتة، أو تغير سلوكها بصورة حادة، فلا ينبغي انتظار أن تمر الحالة وحدها. وذهان ما بعد الولادة في حد ذاته حالة طارئة تستوجب طلب المساعدة الطبية العاجلة، وتزداد الخطورة إذا ظهرت أفكار بإيذاء نفسها أو طفلها، مع عدم تركها وحدها إذا كان هناك خطر.
العلاج موجود، والتعافي ممكن. وغالبًا ما تحتاج الحالة إلى رعاية متخصصة وعلاج دوائي ومراقبة في المستشفى، خصوصًا في المرحلة الحادة. وفي بعض الحالات قد تُقدَّم الرعاية في وحدة متخصصة للأم والطفل، بما يسمح للأم بتلقي العلاج مع طفلها متى كان ذلك مناسبًا.
لكن أول خطوة في العلاج هي أن يتوقف من حول المرأة عن رؤيتها باعتبارها «مجنونة» أو «أمًا سيئة»، وأن يروها كما هي فعلًا: إنسانة مريضة تحتاج إلى أن تُنقذ.
ماذا لو كان العقل هو الذي يكذب عليك؟
ربما هذا هو السؤال الأكثر رعبًا في هذه الحكاية. نستطيع أن نشك في الآخرين، لكن كيف نشك في أعيننا؟ في أصواتنا؟ في أفكارنا؟ في الأشياء التي يخبرنا بها عقلنا كل يوم؟
حين يصاب الإنسان بذهان ما بعد الولادة، قد لا يكون سجنه غرفة مغلقة ولا مستشفىً بعيدًا؛ قد يكون رأسه نفسه. عالم كامل يتكوّن داخله، له منطقه وأصواته ومخاوفه، بينما يقف الآخرون خارجه عاجزين عن رؤية ما يراه.
ومع ذلك، فإن المرض، مهما بدا مظلمًا، لا يعني أن النهاية قد كُتبت. قد يعود العقل إلى مكانه. قد تخفت الأصوات. قد تنهار الأوهام تحت وطأة العلاج. وقد تنظر الأم يومًا إلى طفلها من جديد، لا باعتباره مصدرًا للخوف، بل باعتباره الطفل الذي كانت تحاول، طوال ذلك الوقت، أن تحميه حتى وهي لا تعرف مما تحميه.
لأن أقسى ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يفقد عقله... بل أن يظل عقله معه، وهو لا يستطيع أن يثق به.
إخلاء مسؤولية: قد يحتوي هذا البريد الالكتروني ومرفقاته على معلومات سرية وهامة وإذا لم تكن الشخص المعني بالاستلام، نرجو إبلاغ المرسل على الفور بالرد من خلال رسالة بريد الكتروني وحذف هذه الرسالة وإتلاف أي نسخة منها فورا. إن أي نشر أو كش أو نسخ أو استخدام لهذه المعلومات من شخص آخر بخلاف المستلم المعني يعتبر استخداما غير مصرح به و أمرا مخالفا للقانون. لا تعتبر مؤسسة عسير للصحافة والنشر «صحيفة الوطن» أو موظفيها مسؤولين عن أي رسائل مزيفة تصل إليكم من عناوين البريد
الالكتروني للمؤسسة، ولا تتحمل مؤسسة عسير للصحافة والنشر «صحيفة الوطن» أي مسؤولية عن الأضرار الناتجة عن أي فيروسات قد يحملها هذا البريد الالكتروني.
Disclaimer: This e-mail and its attachments may contain confidential and important information. If you are not the recipient, please inform the sender immediately of the response through an e-mail message and delete this message and destroy any copy of it immediately. Any posting, disclosure, copying or use of this information by a person other than the intended recipient is considered unauthorized use and is against the law. Neither the Aseer establishment for Press and Publication " Al-Watan Newspaper ” or its employees are responsible for any false messages that reach you from the organization’s email addresses, and the Aseer establishment for Press and Publication does not bear any responsibility for the damages resulting from any viruses that this email may carry