لأن بعض الناس لا يعرفون أنهم يتجنبون مشاعرهم. هم فقط يلاحظون أنهم يشعرون بتحسن حين يكون يومهم ممتلئًا، وأن المزاج يسوء في الإجازات، أو في نهاية اليوم، أو عندما يكونون وحدهم. فيبدأون تلقائيًا بملء كل مساحة فارغة: اتصال، مسلسل، عمل إضافي، ترتيب، تصفح، خروج، أو حتى التفكير في مشكلات الآخرين. وكأن النفس تقول: أبقِني مشغولًا حتى لا أضطر إلى الشعور.
لكن المشاعر التي لا تجد مساحة لكي تُفهم لا تختفي. قد تغيّر شكلها فقط. قد تظهر في صورة توتر جسدي، سرعة انفعال، أرق، ضيق غير مفهوم، حاجة مستمرة إلى الإنجاز، أو شعور بالفراغ بمجرد انتهاء المهام.
وهنا قد يقع الإنسان في دائرة متعبة: يشعر بالقلق عندما يهدأ، فيزداد انشغالًا، ثم يصبح أكثر اعتمادًا على الانشغال كي يشعر بالاستقرار، وبالتالي يصبح الهدوء أكثر صعوبة مع الوقت.
ومع ذلك، ليس الهدف في العلاج أن نسحب من الشخص وسيلته في التكيّف قبل أن نبني له بديلًا.
هذه من الأخطاء التي قد نقع فيها عندما ننظر إلى السلوك من الخارج فقط. قد نقول له: خفّف عملك، اجلس مع نفسك، مارس التأمل، خذ إجازة. لكن إذا كان الانشغال يؤدي وظيفة نفسية مهمة، فإن إزالته بشكل مفاجئ قد تترك الشخص وجهًا لوجه أمام مشاعر لا يعرف بعد كيف يتعامل معها.
لذلك أحيانًا يكون السؤال العلاجي الأعمق ليس: لماذا لا تستطيع أن ترتاح؟ بل: ماذا يحدث داخلك عندما تحاول أن ترتاح؟ هل يظهر خوف؟ حزن؟ إحساس بالذنب؟ شعور بأنك غير منتج؟ وحدة؟ أفكار قديمة؟ أم إحساس غامض بعدم الأمان لا تستطيع حتى أن تعطيه اسمًا؟ هذه الأسئلة تنقلنا من محاولة تغيير السلوك إلى محاولة فهمه.
وفي كثير من الأحيان، نكتشف أن الإنسان لم يتعلم أصلًا أن الراحة حالة آمنة.
ربما نشأ في بيئة كانت الراحة فيها مرتبطة بالتقصير، أو كان عليه أن يكون دائمًا منتبهًا لمزاج الآخرين، أو تعلّم مبكرًا أن قيمته تأتي من كونه مفيدًا ومسؤولًا ومنجزًا. وربما لم يكن هناك من يساعده على فهم مشاعره عندما كان صغيرًا، فتعلم بدلًا من ذلك أن يتحرك بعيدًا عنها.
ولهذا، عندما نقول لشخص منشغل طوال الوقت: «اهدأ»، قد نطلب منه شيئًا يبدو بسيطًا لنا، لكنه بالنسبة لجهازه النفسي يشبه التخلي عن الحراسة بعد سنوات طويلة من الوقوف على الباب.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما يختبر الشخص، شيئًا فشيئًا، أن بإمكانه التوقف دون أن يفقد السيطرة.
أن يشعر بالحزن دون أن يغرق فيه.
أن يلاحظ القلق دون أن يضطر فورًا إلى التخلص منه.
أن يجلس مع نفسه دون أن تتحول الوحدة إلى تهديد.
وأن يكتشف أن المشاعر، مهما كانت غير مريحة، يمكن المرور بها وليست بالضرورة شيئًا يجب الهروب منه.
ومع الوقت، يحدث تحول مهم: لا يعود الهدوء مساحة تمتلئ تلقائيًا بالأفكار المخيفة، بل يصبح مساحة يمكن أن تظهر فيها الرغبات، والتعب، والأسئلة، وحتى الاحتياجات التي ظل الشخص سنوات يؤجل سماعها.
قد يكتشف مثلًا أنه لم يكن يحتاج إلى المزيد من الإنجاز، بل إلى الاعتراف بأنه مُنهك.
أو أنه لم يكن يحتاج إلى مزيد من العلاقات، بل إلى مواجهة وحدته.
أو أنه لم يكن يحتاج إلى ملء يومه، بل إلى منح نفسه الحق في أن يكون موجودًا دون أن يثبت قيمته في كل لحظة. وهنا يبدأ معنى آخر للراحة.
فالراحة النفسية ليست غياب الحركة، وليست أن يصبح الإنسان هادئًا طوال الوقت. بل أن تكون لديه حرية الاختيار: أن يعمل لأنه يريد أن يعمل، لا لأنه يخشى التوقف. أن يخرج لأنه يستمتع، لا لأنه لا يحتمل البقاء مع نفسه. وأن ينشغل بالحياة دون أن يستخدم الحياة نفسها وسيلة للهرب من داخله.
وهذا ربما أحد الفروق الدقيقة بين الحياة الممتلئة والحياة التي لا تترك لصاحبها فرصة أن يشعر.
في النهاية، بعض الأشخاص لا يحتاجون أن يتعلموا كيف يهدؤون بقدر ما يحتاجون أولًا أن يفهمون: مِمَّ يحميهم الانشغال؟ فعندما نفهم الوظيفة التي كان يؤديها هذا الانشغال، لا نعود ننظر إليه باعتباره عادة سيئة يجب التخلص منها، بل كحل قديم ابتكرته النفس في وقت كانت تحتاج فيه إلى النجاة. والعلاج لا يحارب هذا الحل. بل يشكر النفس عليه أولًا، ثم يساعدها بهدوء على اكتشاف أنها لم تعد مضطرة لاستخدامه بالطريقة نفسها.
وعندما يشعر الإنسان للمرة الأولى أن بإمكانه أن يتوقف دون أن يخاف مما سيجده في داخله، يصبح الهدوء شيئًا مختلفًا تماما. لا فراغًا يجب ملؤه. ولا مواجهة يجب الهروب منها. بل مكانًا يستطيع فيه، أخيرًا، أن يسمع نفسه.