منيرة الغامدي

الزواج اليوم ليس الزواج نفسه الذي عرفته الأجيال السابقة، ليس لأن مفهوم الأسرة قد اختفى، ولا لأن الناس أصبحوا أقل رغبة في الاستقرار، وإنما لأن الصورة الذهنية للزواج والشريك والحياة المشتركة تغيّرت بصورة كبيرة.

في السابق، كانت التوقعات من الزواج أكثر وضوحًا وأقل تشعبًا. كان تكوين الأسرة والإنجاب والاستقرار وتحمل مسؤوليات المنزل وتربية الأبناء في مقدمة ما ينتظره المجتمع من الزوجين.

أما اليوم، فلم تختفِ تلك المتطلبات، بل بقي معظمها وأضيفت إليها قائمة طويلة من التوقعات: التوافق الفكري والعاطفي، الاحتواء، جودة التواصل، الانجذاب، الطموح، الاستقلال، مستوى المعيشة، المشاركة في المسؤوليات، أسلوب الحياة، الاهتمامات المشتركة، بل وحتى طريقة التعبير عن الحب. وهنا لا يمكن تجاهل أثر وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد وسّعت هذه المنصات دائرة المقارنة بصورة لم تعرفها الأجيال السابقة. لم يعد الإنسان يرى نماذج الزواج والشركاء داخل محيطه الاجتماعي المحدود فقط، بل يشاهد يوميًا مئات النماذج المختلفة للحياة والعلاقات والمنازل والسفر والهدايا والمناسبات وأشكال التعبير عن الحب.

وبمرور الوقت، لا تتغير أذواقنا فقط، بل قد تتغير أيضًا معاييرنا لما نعتبره زواجًا ناجحًا أو شريكًا مناسبًا.

لكن وسائل التواصل لم تنقل إلينا الصور وحدها؛ نقلت معها لغة جديدة لفهم العلاقات.

انتشرت مفردات مثل «العلاقة السامة»، و«العلامات الحمراء»، و«الحدود الشخصية»، و«لغات الحب»، و«التلاعب»، و«التعلق»، وغيرها من المصطلحات التي قد يكون لبعضها أساس معرفي أو نفسي مهم، إلا أن تداولها في المحتوى المختصر حوّل بعضها إلى أحكام جاهزة تُستخدم أحيانًا بعيدًا عن سياقها الأصلي.

والمشكلة ليست في المصطلحات ذاتها، ولا في زيادة الوعي؛ فالوعي مكسب حقيقي ساعد كثيرين على التعرف إلى سلوكيات مؤذية كان يُطلب منهم سابقًا تحملها أو الصمت عنها.

المشكلة تبدأ عندما نستورد المصطلح ومعياره وطريقة تطبيقه دون أن نسأل: هل يتناسب كله مع طبيعة مجتمعنا وبنيته الأسرية وقيمه وظروفه الاقتصادية والاجتماعية؟

فمفهوم مثل الاستقلال، على سبيل المثال، لا يحمل بالضرورة التطبيق نفسه في كل المجتمعات. وكذلك الحدود الشخصية والعلاقة بالأسرة الممتدة وتقاسم المسؤوليات؛ فما يصلح بوصفه معيارًا في مجتمع شديد الفردانية قد يحتاج إلى قراءة مختلفة داخل مجتمع تشكل الأسرة الممتدة جزءًا أساسيًا من بنيته الاجتماعية.

والأكثر إثارة للاهتمام أن هذا الوعي المتسارع لم يغير طريقة اختيارنا للشريك فقط، بل غيّر أحيانًا طريقة قراءتنا للتفاصيل اليومية داخل العلاقة.

فقد أصبح لكل تصرف تقريبًا تفسير يمكن البحث عنه.

لم يرد على الرسالة سريعًا، تغير مزاجه، أراد بعض الوقت بمفرده، نسي مناسبة، لم يفهم تلميحًا، اختلف الطرفان على زيارة أو قرار عائلي؛ مواقف قد تكون أحيانًا مجرد تفاصيل بشرية عابرة، لكنها قد تتحول بعد رحلة من البحث ومشاهدة المقاطع إلى مؤشرات على مشكلة أكبر.

وهنا يظهر فارق دقيق بين الوعي بالعلاقة وفرط تحليلها.

الوعي يجعل الإنسان قادرًا على ملاحظة السلوك المؤذي، خصوصًا عندما يكون متكررًا ويشكل نمطًا واضحًا. أما فرط التحليل فقد يجعلنا نمنح الموقف العابر حجمًا لا يستحقه، ونبحث عن تفسير لكل كلمة، ثم نبحث عن حل لمشكلة ربما لم تتشكل أصلًا.

أصبح المحتوى الرقمي قادرًا على إعطائنا إجابة فورية تقريبًا عن كل موقف، لكن العلاقات الإنسانية ليست معادلات ثابتة؛ السلوك الواحد لا يحمل دائمًا المعنى نفسه، والموقف الواحد لا يكفي دائمًا للحكم على الإنسان أو على العلاقة بأكملها.

ومع ذلك، سيكون من الظلم اعتبار هذا التحول سلبيًا بالكامل.

الجيل الحالي أكثر قدرة على السؤال عما يريد، وأكثر وعيًا بالتوافق والحقوق والاحتياجات النفسية والعاطفية، وأقل استعدادًا لقبول بعض الممارسات لمجرد أنها كانت شائعة في الماضي. وهذه مكاسب اجتماعية لا ينبغي التقليل منها.

لكن لكل مكسب ثمنه.

فكلما ارتفع عدد الأشياء التي ننتظرها من الزواج، أصبح الوصول إلى نموذج يحققها جميعًا أكثر صعوبة. وكلما زادت معايير اختيار الشريك، ضاقت مساحة الاختيار. وكلما ازدادت المصطلحات التي نفسر بها العلاقة، ازدادت احتمالات أن نقرأ التفاصيل الطبيعية بوصفها إشارات تحتاج إلى تفسير.

لذلك ربما لا تكون القضية أن هذا الجيل «عقّد الزواج»، كما يقال كثيرًا، ولا أن الأجيال السابقة كانت تعرف سرًا بسيطًا للسعادة فقدناه.

ربما نحن أمام مرحلة انتقال اجتماعي؛ انتقل فيها الزواج من نموذج كانت أدواره وتوقعاته محددة نسبيًا إلى نموذج جديد ما زال المجتمع يعيد فيه تعريف الشريك، والأدوار، والاحتياجات، والحدود، ومعنى النجاح الزوجي نفسه.

ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس: لماذا لم يعد الناس يقبلون بما كان يقبل به السابقون؟

بل: كيف نستفيد من الوعي الجديد دون أن نحول الزواج إلى قائمة شروط لا تنتهي، والعلاقة إلى حالة دائمة من الفحص والتشخيص؟

فالزواج لم يتغيّر وحده. نحن أيضًا تغيّرنا... وتغيّرت اللغة التي ننظر إليه بها.