محمد العزي

لم يعد الزمان يمضي. صار يُحقن في عروقنا حقنًا.

في سنة واحدة نحيا ما كان يعيشه أجدادنا في أربعين عامًا؛ من عمرٍ يتنفس ببطء، وأيام تمشي على هديها، وليال تنام مطمئنة لا يحملها همّ غد.

كان جدي يملك همًّا واحدًا في الموسم: سحابة. وأنا أملك في صباحٍ واحد هموم الأرض كلها: ارتفاع سعر البترول، حرب طاحنة، توتر عالمي، ورأيًا لم أقله، ومستقبلًا لم يأتِ بعد.

الزمن لم يتسارع. نحن من صرنا نعيشه كله دفعة واحدة. صار لكل دقيقة ألف نافذة، ولكل نافذة ألف صوت. فكيف لعقل ألا يتصدع ولقلب ألا يتعب؟ أجدادنا عاشوا الطول. ونحن نعيش العرض. عرض فاحش من المعلومات، والصور، والمقارنات؛ كأننا وُضعنا أمام بحر وطُلب منا أن نشربه بفنجان. لم يعد الزمن يمضي كما كان. كان يمضي قديمًا من أمام الإنسان، أما الآن فيمرّ من داخله.

وهذا فرق لا يبدو كبيرًا في اللغة، لكنه كاف لأن يجعل الإنسان يستيقظ متعبًا قبل أن يبدأ يومه.

ثمة شيء غريب حدث للزمن.

لم تزد ساعاته، ولم تتغير عقاربه، ولم يقرر أن يركض. الذي تغير أننا صرنا نضع في الساعة الواحدة من الحياة أكثر مما تحتمل.

وهذه ربما إحدى أعقد مشكلات العصر:

أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى أن يقع عليه الحدث كي يتأثر به. يكفي أن يراه. ولذلك يتعب القلب، لا من الحزن، بل من كثرة ما يُطلب منه أن يحزن.

كانت المعرفة في الماضي تأتي متأخرة.وهذه ميزة لم نكتشفها إلا بعد أن فقدناها. كان الخبر يحتاج إلى مسافة كي يصل. والآن يصل قبل أن نتهيأ له. كان الإنسان يملك وقتًا بين وقوع الشيء ومعرفته. ذلك الوقت الصغير كان يشبه غرفة عازلة بين العالم والنفس.

أما اليوم فقد أُزيلت الغرفة. الحدث في الخارج، وفي اللحظة نفسها تقريبًا، وفي رأسك. لهذا لم يعد الإنسان يحتاج إلى أن يكون في مكان الخطر كي يشعر بالخطر. العالم كله أصبح قريبًا. قريبًا أكثر مما ينبغي. لكن المصيبة ليست في الأخبار وحدها. لقد دخل المستقبل أيضًا إلى الحاضر.

لا نعيش اليوم وحده. نعيش اليوم، ونراقب غدًا، ونحاسب أنفسنا على الأمس. نذهب إلى العمل ومعنا مستقبلنا. نجلس مع أطفالنا ومعنا مستقبلهم. نأكل ومعنا نتائج التحاليل الطبية المحتملة. ننام ومعنا فواتير الشهر القادم. نفرح بشيء جميل، ثم يأتي صوت صغير من داخلنا ليسأل:

وماذا بعد؟ حتى السعادة لم تعد تُترك لحالها. نضع لها خطة. ونقيسها.ونخاف من فقدانها. وكأننا لا نستطيع أن نفرح إلا بعد أن نتأكد أن الفرح لن يخذلنا. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل إنسان اليوم يملك كل وسائل الراحة، ومع ذلك يبدو كأنه دائمًا في انتظار شيء.

ليس جائعًا تمامًا ولا شبعان. ليس فقيرًا تمامًا ولا مطمئنًا. ليس وحيدًا تمامًا ولا مستأنس. إنه يعيش في منطقة غريبة بين (ما لديه)

و(ما يمكن أن يكون لديه).

وهذه المسافة هي السوق الأكبر في العالم. هناك، بالضبط، تُباع لنا الأشياء.يُقال لك:

ينقصك هذا.ينبغي أن تصبح هكذا. لو سافرت إلى هناك.. لو امتلكت هذا.. لو تغير جسدك.. لو تغير عملك.. لو تغيرت حياتك...

ثم تكتشف، بعد سنوات من تغيير الأشياء، أن الشيء الوحيد الذي لم يتغير هو شعورك بأن شيئًا ما ناقص.أصبح النقص نفسه صناعة.

كلما امتلأت يدك، أُشير لك إلى شيء آخر لم تمتلكه. وكلما وصلت، تحركت النهاية قليلًا إلى الأمام.لقد أرهقتنا الحرية أيضًا.

ليس لأن الحرية سيئة، ولكن لأننا لم نتعلم دائمًا كيف نتحمل نتائجها. في الماضي كان السؤال:

ماذا أستطيع أن أفعل؟ أما اليوم فالسؤال: ماذا كان يمكن أن أفعل؟

وهذا سؤال لا نهاية له. كل اختيار يفتح ألف حياة لم نعشها. تختار مهنة، فتظل هناك آلاف المهن التي لم تجربها. تسافر إلى مدينة، فتفكر في المدن التي لم تسافر إليها. حتى الطريق الذي اخترته يصبح مهددًا بأطياف الطرق التي تركتها. ولذلك قد لا يكون أكثر ما يؤلم الإنسان هو سوء اختياره. بل معرفته بأنه كان يستطيع أن يختار شيئًا آخر.

وربما لهذا أصبح الإنسان الحديث بارعًا في جمع الأشياء، وعاجزًا عن الاكتفاء بشيء. يشتري كتابًا، فيرى عشرة كتب أخرى.

يسافر إلى مدينة، فيكتشف عشر مدن أجمل. يحقق نجاحًا، فيظهر أمامه نجاح أكبر. حتى حين يصل، لا يصل تمامًا؛ لأن العالم يواصل إرسال صورٍ لمن وصلوا أبعد.

تحولت المقارنة من حادثة عابرة إلى بيئة نعيش فيها. لم يعد جارك هو الذي يوقظ فيك السؤال:

لماذا عنده ما ليس عندي؟ صار العالم كله جيرانك. وهذا كثير جدا على نفس بشرية واحدة. فنقيس فقرنا بغنى لا نعرفه، وضعفنا بقوة مموهة، ويومنا العادي بألف يوم استعراضي. ولذلك لا أظن أننا بحاجة إلى أن نُبطئ الزمن. الزمن بريء. ما زال يمشي بالمعدل نفسه، منذ أن كان الإنسان يعد الأيام بطلوع الشمس.

الذي يحتاج إلى الإبطاء هو شهية الإنسان إلى الحياة. أن نتوقف عن محاولة ابتلاع العالم.نقبل بأن هناك كتبًا لن نقرأها. ومدنًا لن نزورها. وأشخاصًا لن نعرفهم. وأفكارًا لن نفهمها. وأخبارًا ستحدث دون أن نعرفها. وأيامًا ستمر دون أن نصورها.

أن ندرك أن هذا ليس فشلًا. إنه ببساطة معنى أن تكون إنسانًا محدود العمر في عالم لا حدود له.