عبدالمحسن محمد الحارثي

في حي المفتاحة بأبها، وفي لقاء عابر جمعني بسمو الأمير تركي بن طلال، صافحته وأبديت له إعجابي بعبارة خرجت في لحظتها: «أنت نيترون القيادة في عسير».

كان اللقاء قصيرًا، لكن العبارة بقيت أطول من اللقاء؛ إذ وجدتني أتوقف عندها: لماذا «نيترون»؟

لأن القيادة ليست كلها مما يُرى، وبعضها يُقاس بما تتركه وراءها. فهناك قائد يشغل الموقع، وقائد يشغل المكان بالحركة، وهناك من يدير الملفات، ومن يحركها حتى تتحول من أوراق إلى واقع. وبين هؤلاء وأولئك تتشكل المسافة التي تُسمّى أثر القيادة.

والنيترون جسيم لا يلفت النظر إلى نفسه، لكنه يدخل في صميم المادة، ويمكن أن يُحدث فيها تغييرًا عميقًا..ومن هنا جاء التشبيه.

ففي تجربة الأمير تركي بن طلال في عسير تبدو القيادة أقرب إلى طاقة مركزة: حضور لا يقوم على استعراض القوة، بل على تحويل الطاقة إلى أثر، والقرار إلى حركة، والحركة إلى تنمية.

الأمير الذي يعرف أن الجبل ليس عائقًا، وأن الوادي ليس هامشًا، وأن القرية البعيدة ليست خارج الحسابات؛ يستطيع أن يرى عسير كما ينبغي أن تُرى: منطقة كاملة التفاصيل، لا صورة سياحية جميلة فحسب. وهنا تكمن قيمة القيادة الميدانية.

فالكرسي يمنح صاحبه سلطة القرار، لكنه لا يمنحه بالضرورة معرفة التفاصيل. أما الميدان فيمنح القائد شيئًا آخر: حقيقة المكان.

وحين يقترب القائد من الحقيقة تقل المسافة بين القرار والواقع.

وهذه إحدى سمات القيادة التي يمكن قراءتها في تجربة تركي بن طلال؛ أن تتحول المتابعة من إجراء إداري إلى ثقافة، وأن يصبح السؤال عن التفاصيل جزءًا من صناعة القرار، وأن يكون الإنجاز هو اللغة التي تُقاس بها الوعود.

فالقيادة ليست في كثرة الأوامر، وإنما في القدرة على صناعة الاتجاه. والقائد الحقيقي لا يصنع التبعية؛ بل يصنع القدرة، ولا يحتكر المشهد؛ بل يهيئ المكان ليصنع المشهد بنفسه.

وعسير لا تحتاج إلى من يصف جمالها؛ فجمالها سابق على الوصف..لكنها تحتاج إلى قيادة تجعل هذا الجمال اقتصادًا، وسياحة، وثقافة، وفرصًا، وجودة حياة. وهنا تتجاوز التنمية معناها التقليدي.

فالطريق ليس طريقًا فقط، والقرية ليست مجموعة بيوت، والجبل ليس كتلة صخرية، والتراث ليس ذاكرة معلقة على جدار؛ كل ذلك يمكن أن يتحول إلى قيمة حين تلتقي الرؤية بالقدرة على التنفيذ. ولهذا فإن «نيترون القيادة» ليس وصفًا للقوة وحدها، بل للتأثير.

فالنيترون لا يلفت النظر إلى نفسه، لكنه قادر على تغيير ما حوله. وكذلك القيادة المؤثرة؛ لا تقيس نجاحها بعدد التصريحات، وإنما بعدد الأشياء التي تغيّرت بعد حضورها.

في عسير ؛ تتسع الحكاية من مشروع إلى مشروع، ومن محافظة إلى محافظة، لتقول: إن المنطقة ليست في سباق مع الزمن فقط، بل في سباق مع إمكاناتها نفسها. والتحدي الحقيقي أن تُخرج المنطقة أفضل ما فيها، لا أن تستعير شخصية مستوردة؛ أن تجعل الجبل جزءًا من المستقبل، لا شاهدًا على الماضي؛ وأن تجعل التراث مادة للحياة، لا مجرد مادة للعرض؛ وأن تجعل السياحة بابًا للاقتصاد، لا موسمًا عابرًا. في فلسفة القيادة ؛ هناك فرق بين من يضع الخطة ومن يصنع الاتجاه. الخطة قد تنتهي بانتهاء المشروع، أما الاتجاه فيستمر بعد مغادرة صاحبه.

من هذه الزاوية ؛ يمكن قراءة تجربة الأمير تركي بن طلال بوصفها محاولة لصناعة اتجاه جديد لعسير؛ اتجاه يزاوج بين الإنسان والمكان، وبين الأصالة والمستقبل، وبين التنمية والهوية. لذلك.. فإن تقدير القائد لا يكون بعدّ ما فعل فقط، وإنما بقراءة كيف يفكر في الفعل. فالإنجاز قد يصنعه فريق، والمشروع قد تنفذه مؤسسات، لكن الذي يمنح العمل روحه ؛ هو القائد الذي يعرف إلى أين يريد أن يصل.

من هنا ؛ لا يقف تركي بن طلال أمام عسير بصفته أميرًا لمنطقة فحسب، بل بصفته حارسًا لاتجاهها التنموي.وهذه منزلة مختلفة.

فالمسؤول الذي يكتفي بإدارة الحاضر ؛ ينجح في الحاضر؛ أما المسؤول الذي يفكر في صورة التنمية بعد سنوات ؛ فإنه يعمل للمستقبل.

وعندما يصبح المستقبل حاضرًا في القرار ؛ تتحول القيادة إلى قوة تتجاوز حدود المنصب. وهذا هو «نيترون القيادة» الذي قصدته في تلك المصافحة: طاقة مركزة، حضور هادئ، وأثر واسع.

لا يحتاج القائد إلى أن يرفع صوته ليُثبت أنه حاضر؛ يكفي أن تتحدث المشاريع، ولا إلى أن يكرر أن الميدان مهم؛ يكفي أن يكون فيه.

ولا إلى أن يقول إن عسير تستحق الأفضل؛ يكفي أن يعمل على أن يكون الأفضل هو القاعدة لا الاستثناء.

ليست قيمة المسؤول في مقدار الضوء الذي يسلطه على نفسه، بل في مقدار الضوء الذي يتركه في المكان بعد أن يمضي.

لهذا بقيت تلك العبارة في ذهني منذ ذلك اللقاء العابر في حي المفتاحة:

تركي بن طلال.. نيترون القيادة في عسير. طاقة لا تستعرض قوتها، لكنها تغيّر المشهد كله.