وليد عتين

وليد عتين

حين ترخي ساحات الملاعب سدولها، معلنةً عن ميلاد موسم رياضي جديد. تتوجه الأنظار كالعادة نحو تلك الجدران المدرجية التي طالما كانت النابض الحقيقي لجسد كرة القدم. لكن دراما البدايات هذا الموسم جاءت مختلفة، محملة بوجع عشاق «العميد»، جماهير نادي الاتحاد الوفية التي عودت الجميع على أن تُرصّع جنبات الملاعب بأبهى اللوحات الفسيفسائية، وتصدح بأهازيج تزلزل أركان الميدان، بغض النظر عن جغرافية الملعب أكان في عرينها أو في معاقل الخصوم. غير أن المشهد الافتتاحي هذا العام صُدم بصمت مُطبق ومدرجات شبه خاوية، في لقطة درامية تختزل صراعاً عميقاً بين الشغف المطلق والمرارة المتراكمة.

ما يحدث اليوم في مدرجات الاتحاد ليس مجرد رد فعل عابر، بل امتداد طبيعي لحالة من عدم الرضا العارم تجاه إدارة (فهد سندي).

لقد رسمت الجماهير الاتحادية خطاً أحمر، ورفعوا لسان حال واحد: «لن نحضر حتى ترحل الإدارة، أو نرى حداً لهذا القتل البطيء الذي يتعرض له العميد».

​هذه المقاطعة الدرامية لم تأتِ من فراغ، بل ولدت من رحم خيبة أمل غير مسبوقة أعقبت موسماً تاريخياً استثنائياً؛ موسم توج فيه الفريق بالثنائية المذهلة (دوري روشن السعودي وكأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله)، في ملحمة كروية سطرها التاريخ بأحرف من ذهب تليق بمن تتشرف قمصانهم بخيوط الذهب الخالص.

الأمر الأكثر إيلاماً وتناقضاً في المشهد، هو أن لغة الأرقام والحقائق تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن جماهير الاتحاد هي الرقم الأصعب، والأكثر حركة وتسويقاً للدوري السعودي بناءً على الإحصائيات المسجلة للحضور والتفاعل الجماهيري عبر السنوات.

إنهم الوقود الحقيقي الذي يمنح المسابقة بريقها وجاذبيتها الكبرى.

​وهنا يتبادر السؤال الأكثر إلحاحاً ووجعاً في ذهن كل محب للكيان: من المستفيد الحقيقي من إبعاد هذه الجماهير الاستثنائية عن المشهد وتطفيشها؟

​سؤال معلق بلا إجابة، تضيع تفاصيله بين طيات قرارات غريبة ومبهمة حولت الكيان الحاصل على الذهب إلى ورشة هدم ذاتي.

كيف لانتقال نجم بحجم " كريم بنزيما" إلى المنافس التقليدي الهلال أن يمر بهذه البساطة!! وسط استفهامات كبرى لم تجد ولن تجد تفسيرًا مقنعًا؟ وكيف يُفرط في مقاتل بحجم " نجولو كانتي" لصالح الدوري التركي، في وقت يحتاج فيه الفريق الماسي إلى خبرته الميدانية الملحة، ودون توفير بديل يوازيه قيمةً وثقلاً؟

إنها سلسلة من الأحداث والقرارات المتتالية التي تسببت في نزيف فني ونفسي لفريق حامل للذهب، ما دفع المدرج الاتحادي العريق لاستخدام سلاحه الأخير: مقاطعة المدرجات كصرخة استغاثة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتذكير الجميع بأن الكرة السعودية تفقد الكثير حين يغيب صناع شغفها الحقيقيون.