في مرحلتي الجامعية استوقفتني نظرية من نظريات الإعلام تُسمى «الاستخدامات والإشباعات»، طرحت في ذهني أسئلة عديدة، وخلاصتها ببساطة: الإنسان بطبيعته يحمل بداخله فراغًا، سواء كان عاطفيًا أو معرفيًا أو اجتماعيًا، يسعى دومًا لملئه.

في عصرنا الحالي، ازداد اعتماد الفرد على وسائل الإعلام المختلفة، وعلى رأسها منصات التواصل الاجتماعي، لأنها أصبحت أسرع وسيلة لسد هذا الفراغ.

فالإنسان يستطيع أن يحصل على ما ينقصه، سواء كانت كلمة لطيفة أو اهتمام، خلال وقت قصير جدًا، بمجرد أن ينشر صورة له أو للحظة يعيشها، لتأتيه الاستجابة التي يبحث عنها من ردود وتفاعل.


من هنا يبدأ التصوير أخذ دور مختلف عن الغرض الذي وجد لأجله. نحن لا نصور فقط لنوثّق، بل لأننا اكتشفنا أن الصورة هي أسرع وسيلة لإشباع حاجتنا للتقدير والانتباه، دون أن نبذل جهدًا اجتماعيًا حقيقيًا.

فبدل أن نحصل على الاهتمام من خلال حضور فعلي أو حوار مباشر، صرنا نحصل عليه بضغطة زر ونشر صورة.

وهذا ما يفسر ظاهرة أخرى نراها في كل بيئة تقريبًا:

كأن يجلس ضمن مجموعة من الأصدقاء يتحدثون عن خبر رياضي أو سياسي لا يهم أحدهم شخصيًا، لكنه يشارك في النقاش لأنه بحاجة لتلك المشاركة، لا للموضوع نفسه. يمكن أن نسمي هذا «الحاجة التكاملية الاجتماعية»، حيث يبحث الفرد عن الانتماء أكثر مما يبحث عن المحتوى ذاته.

وهنا يكمن جوهر المفارقة، كلما زاد سعينا لإشباع هذه الحاجات عبر الصورة والمشاركة، ابتعدنا خطوة عن اللحظة الحقيقية.

نحن لا نلتقط الصورة لنتذكرها لاحقًا بقدر ما نلتقطها لنعرضها الآن. وبين رفع الهاتف وانتظار «اللايك»، تكون اللحظة قد مرّت... دون أن نعيشها فعلًا.