إنها الإذاعة السعودية، كانت وما زالت وستبقى بحول الله متألقة مبدعة في مسيرتها الإعلامية.
إذاعة ارتبطت بعلاقات وثيقة مع المستمعين في الداخل والخارج، جسدتها باقات مميزة من البرامج المتنوعة، تحملها موجات الأثير الناعمة على مدار الساعة، فكانت جامعة للكلمة المسموعة، الراقية، الزاخرة بالمعلومات، الأخبار، الثقافة، صدق المحتوى.
وفي لفتة رائعة تحمل دلائل النقاء، وتعكس صورًا من المحبة والعطاء، بادر القامة الإعلامية وكيل وزارة الإعلام لشؤون الإذاعة الأسبق الصديق محمد بن عثمان المنصور إلى دعوة الوسط الإذاعي من المتقاعدين لعقد لقاءات شهرية في العاصمة الحبيبة الرياض، يتم فيها تجديد الذكريات، وتعزيز الروابط.
وقوبلت الفكرة في حينها بالقبول ومباركة الجميع، ومن حُسن الطالع أن تفرعت منها دروب من «جبر الخواطر»، مهدت لزيارات بين الحين والآخر إلى منازل قدامى منسوبي الإذاعة، للالتقاء بهم، وتفقد أحوالهم والاطمئنان على المرضى منهم، ورفع معنويات قد تكون محطات العُمر نازعتها بعد التقاعد.
وحرص «أبوعثمان» على تزويدي بصور معبرة من هذا الثراء الإنساني الجميل. وتمنيت تسجيل ما يُقال في كل جلسة؛ كونه يمثل تاريخًا إعلاميًا شفويًا، يكتسب أهميته من الحاضرين، وثراء تجاربهم، وجمال وصدق أحاديثهم، ومن ثم تفريغها حسب تسلسلها، وجمعها ومراجعتها، وإصدارها في كتاب ليعرف الناس ما كان يدور في أستوديوهات الإذاعة ومكاتبها وبرامجها خلال نصف قرن وأكثر.
وتؤكد دراسات إعلامية أن صناعة الأفكار والمبادرات والمقترحات بمهنية، وتحويلها إلى صور مسموعة بأداء إذاعي مؤثر، لا بد أن يقف خلفها، كوكبة من المسؤولين، المذيعين، المحررين، المعدين، المخرجين، الفنيين. ممن لديهم فن الإدارة، الموهبة، الثقافة الأصيلة، الفكر النير، الإصرار على التفوق.
وتزخر المكتبات بكتب وثقت ما كان يدور في المجالس الخاصة للأدباء، والمؤرخين، والفنانين، وغيرهم. وحظيت بمتابعات واسعة، إلا أنه لم يسبق لي الاطلاع على كتاب واحد رصد ما دار في لقاءات ومجالس الإعلاميين المتقاعدين، عدا بعض السير الذاتية، وكُتب تناولت تاريخ بدايات المؤسسات الإعلامية، وبعض المقالات في الصحف، وعلى سبيل المثال ذكريات زهير الأيوبي رحمه الله في صحيفة الجزيرة.
ولمدير إذاعة نداء الإسلام الأسبق المذيع والإعلامي القدير الصديق عدنان صعيدي مقالات وكتب تمحورت حول ذكرياته في الإذاعة، ومنها كتاب «على الموجة المتوسطة»، أما كتابه الثاني «على موجة طويلة»، فقال عنه الأديب والكاتب والروائي علي بن محمد الحسون: «لم يدع للذاكرة أن تجول وتصول، بل وثق كل ذلك، ونحن نعرف أن الذاكرة مهما كانت قادرة على الاحتفاظ بشواهد ما مر بها إلا أنها بلا شك تسقط من فتحات غربالها بعض المواقف وبُعد الذكريات».
وبالمناسبة احتفل صعيدي، الأسبوع الماضي، بتدشين أحدث إصداراته «وللحديث بقية..» في نادي «6090 حياتي الجديدة» في محافظة جدة، بحضور معالي وزير الإعلام السابق الدكتور عبدالعزيز خوجه.
وأعتقد أن المجتمع ينظر إلى مجالس متقاعدي الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب كمنصات تاريخية تنثال على جنباتها الذكريات، فروادها هم الأقدر والأجدر على فتح ذاكرة أبواب إعلامية دخل منها الكثير من العلماء، المسؤولين، الأدباء، المفكرين، السياسيين، المؤرخين، الفنانين، وغيرهم من الذين حلوا ضيوفًا على أستديوهاتها، وقدموا خلاصة ما لديهم في أوقات ومناسبات مختلفة وأحداث مهمة، سواء ما تم إذاعته أو ما تم تأجيله وحفظه.
يقول الصديق الإذاعي صوت النهار الدافئ «محمد بن نهار القحطاني»: لا أحد يقلل من أهمية مجالس الأحباب المتقاعدين وما يدور فيها من ذكريات جميلة، وقد سعدت وتشرفت بالانضمام إلى مجالس زملائي الأوفياء الأنقياء، بناء على دعوة من القدوة محمد المنصور، وهو أول مسؤول قابلته في الإذاعة منذ نصف قرن.
وأكد أن لقاءات المتقاعدين من إذاعة الرياض عفوية، تسودها المحبة، وتنشط معها في كل لقاء حكايات جديدة ومواقف جميلة ومتنوعة جادت بها الذاكرة.
وسبق للمذيع محمد نهار أن أصدر كتابًا قبل خمسة أعوام بعنوان «من ذاكرتي» سرد فيه بعض ذكرياته، ومهامه الإذاعية حتى ترجل عن كرسي العمل.