اكتسب الصمت مكانة عالية في مختلف الأمم وعند شعوب الأرض، حيث تجد دائما مقولات وأمثال تشيد به وتعلي من قيمته، بل يعتبر فضيلة عند الفلاسفة والحكماء. وفي العرف الاجتماعي لا يعتبر الصمت، علامة على قلة الحيلة، أو غياب الرأي، بل هو لغة بليغة تمتلك من القوة واتساع المعنى ما قد تضيق عنه الفصاحة والطلاقة.

وفي مجالسنا العربية العريقة منذ القدم وحتى العصر الحديث، يعتبر صمت الكبار سلوك له دلالة، وأستطيع القول بأنه بمثابة بروتوكول دقيق يقرأ بحسب المقام، وفي سياقة.

لكن للصمت دلالة أخرى تربوية حرصت عليها سلومنا العربية العريقة، وهي تلك التي تتعلق بالأبناء وتعليمهم، كيف يصمتون، وتعلم الانصات، وفي هذا تعليم على ترتيب اجتماعي يحفظ للكبار والحكماء والشيوخ مكانتهم وقدرهم، ويعطيهم حق التحدث وإتمام الفكرة دون مقاطعة.


وقد شهدنا في مجالسنا أن من يقطع الصمت السائد في المجلس هو الرجل الكبير في السن، وعندما يتحدث لا يجد أنه في حاجة لرفع صوته الواهن، فالجميع صامت ومنصت لكلماته، وفي هذا فرض لمهابته وتقدير لكبر سنه، واحترام لسنوات عمره المديدة. ودون شك أن في هذا أبلغ درجات الاحترام والتقدير.

لكن للصمت أنوع أخرى كثيرة، تماما كما مر بنا أنه قد يكون تعليم وتربية، إلا أنه أيضا يستخدم كتعبير عن الرفض، وإن بشكل مهذب وهادئ، وهو أيضا قد يكون صمت يحمل عتب، أو صمت حكمة، على سبيل المثال، يقوم أحدهم بطرح طلب، وهو طلب تعجيزي، فتجد أن وجهاء القوم، أو الشيوخ، لا يستعجلون بالرد والرفض الصريح، بما قد يجرح صاحب الطلب، أو قد يغلق باب الصلح، أو يسبب فجوة أكبر، لذا يتم الصمت لبرهة من الزمن، هذا الصمت ليس للتفكير، بل هو رسالة لصاحب الطلب، بأن يبادر بسحب طلبه، أو إعادة طرحه بطريقة أخف وأكثر قبولا. وهنا يتضح أنه تم إدارة الموقف العصيب بالصمت وقد كان وسيلة ذكية وحكيمة ومحاولة واضحة لتجنب الصدام أو محاولة لتقليل الأضرار لحدها الأدنى، والاداة المثلى كانت بالصمت.

في العصر الحديث الذي نعيشه، سنجد أن الصمت حضر في الاروقة الدبلوماسية، فالكثير من الدول تعبر في أحيان عن مواقفها السياسية عبر الامتناع وعن عدم التصريح، او أنها تتعمد تأخير ردها، أو حتى تخفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي.

لقد سبقت سلومنا وعاداتنا وتقاليدنا العربية العريقة، أدبيات علوم الاتصال الحديثة، في الاستفادة من اللغات غير اللفظية، وهو جانب نفخر به ونعتز به، ونذكره ونشكر الآباء والاجداد، الذين أوجدوا مثل هذه القيم العظيمة.

ومع هذا فإن الصمت يبقى له حدوده الممكنة والمفيدة، وأيضا له محاذيره، تماما ككل
شيء في حياتنا، لها جانبين من الفوائد والايجابيات، وأيضا جانب من الخسارة والسلبيات.

لقد كان الصمت في مجالسنا، موقفا يقرأ، ورأيا يفهم، ولغة يدرك معناها أهل الخبرة والمعرفة...