وكان رأيي له أن يجمع بين الحسنيين، فيقيم حفلا معقولا بعيدا عن المبالغة، ويخصص جزءًا من نفقات الحفل دعمًا لهذه الطالبة، فتفرح أسرته اليوم، ويسعد المجتمع غدا بطبيبة جديدة تخدم أبناءه، ويكون قد أسهم بذلك في خدمة المجتمع، وله بالأجر.
وأحسب أن رأيي لم يكن مقنعا له ، فأقام حفلا باذخا، وأظنه لم يقدم شيئا في الحساب البنكي للجامعة التي تدرس بها الفتاة.
حين أذكر هذه القصة لا ألوم أحدا ،فكل إنسان حر في التصرف بماله ضمن ما أحله الله. وإنما أطرحها للتأمل في أولوياتنا، وفي مفهوم المسؤولية الاجتماعية التي يدعو إليها ديننا الحنيف، ويحتاجها الوطن في مسيرته التنموية.
وإن قيادتنا الرشيدة - أيدها الله - أرست أسسًا راسخة لبناء الإنسان، واستثمرت في التعليم والصحة والتنمية الكثير، إيمانا منها بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للأوطان، إلا أن نهضة المجتمعات لا تبنى على جهود الحكومات وحدها، بل تحتاج إلى مبادرات الأفراد، وإلى شعور كل قادر أن له دور في صناعة المستقبل. وكما يقال إن " فتح مدرسة يغلق سجنا" ، وإذا كان هذا القول يعبر عن قيمة التعليم في بناء المجتمعات، فإن الإسهام في تخريج طبيب أو مهندس أو معلم أو باحث هو استثمار طويل الأثر يمتد نفعه لسنوات، وربما أجيال.
والرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ أرشدنا إلى أن التيسير في الزواج من أعظم الأمور، والمبالغة في الحفلات قد تستنزف الأموال دون أن تضيف إلى الفرح الحقيقي شيئًا. ولعل من الجميل أن تنشأ في مجتمعاتنا ثقافة راقية يخصص فيها أصحاب المناسبات جزءا يسيرا من نفقات حفلات الزواج أو التخرج وغيرها من المناسبات، لدعم مشاريع التعليم والعلاج والتنمية.
مثل هذه المبادرات لا تنقص من قيمة المناسبة بل تضفي عليها معنى أعمق ورسالة أبقى، فالحفل مهما بلغت روعته ينقضي بانتهاء ليلته، وتبقى له الذكريات والصور، أما المساهمة في صناعة الإنسان فأثرها يمتد سنوات طويلة، وتبقى ثمارها في حياة الناس، ويستمر أجرها بإذن الله.
ولأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، فالسؤال الذي يفرض نفسه، أي الأثرين أبقى: ليلة فرح تنتهي مع طلوع الفجر أم إنسان يواصل العطاء طوال عمره؟