الأصل أن العقد شريعة المتعاقدين، لكن سلطان الإرادة ليس مطلقاً، ولا يصبح الشرط مشروعاً لمجرد أن الطرفين وقّعا عليه؛ فالعقد يستمد قوته من النظام، ولا يجوز أن تتحول الحرية العقدية إلى وسيلة لإهدار الحماية التي قررها المُشرع، ويغدو ذلك أكثر أهمية في علاقة العمل التي قامت أحكامها، في جانب معتبر منها، على حماية التوازن بين طرفين لا تتكافأ دائماً قدرتهما التفاوضية.
من الممارسات التي تستحق التوقف أمامها أن تتضمن بعض عقود العمل شرطاً يقضي بأنه إذا أنهى صاحب العمل العقد لسبب غير مشروع، استحق العامل تعويضاً لا يتجاوز مائة ريال، بينما إذا صدر الإنهاء من العامل التزم بتعويض صاحب العمل عن كامل المدة المتبقية من العقد.
هنا لا نتحدث عن تفاوت في تقدير التعويض فحسب، بل عن سؤال يمس جوهر الحماية العمالية: هل كل مبلغ يكتب في العقد تحت مسمى «تعويض» يصبح تعويضاً بالمعنى الذي قصده النظام؟
تنص المادة السابعة والسبعون من نظام العمل على أنه: «ما لم يتضمن العقد تعويضاً محدداً مقابل إنهائه من أحد الطرفين لسبب غير مشروع»، استحق المتضرر التعويض المقرر نظاماً؛ وهو أجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة خدمة في العقد غير محدد المدة، وأجر المدة الباقية في العقد محدد المدة، على ألا يقل التعويض في الحالتين عن أجر شهرين.
صحيح أن صدر المادة أجاز للطرفين تحديد التعويض اتفاقاً، لكن جواز الاتفاق شيء، وتحويله إلى وسيلة لإفراغ النص من غايته شيء آخر.
فإذا كان مجرد وجود مبلغ مكتوب في العقد كافياً لاستبعاد التعويض النظامي، مهما كان زهيداً، فما الذي يمنع أن يكون التعويض مائة ريال؟ بل ما الذي يمنع أن يكون ريالاً واحداً؟هنا يظهر الفارق بين وجود التعويض اسماً ووجوده حقيقةً.
فالتعويض ليس رقماً يوضع في العقد لاستكمال متطلباته، إنما أثر قانوني يقابل الإنهاء غير المشروع. فإذا انحدر إلى مبلغ رمزي لا يؤدي وظيفة حقيقية، ثم اقترن بتعويض بالغ على العامل عن الفعل ذاته، أصبح التساؤل مشروعاً عن حقيقة الشرط ومدى اتساقه مع الغاية الحمائية للنظام.
ولا يكفي للقول بصحة ذلك أن العامل قد وقّع العقد؛ لأن التوقيع لا يعني بالضرورة تكافؤ القدرة على التفاوض. فالعامل الباحث عن فرصة عمل يقف غالباً أمام عقد أعده صاحب العمل سلفاً: إما قبوله وإما فقدان الفرصة. ولو كان مجرد القبول كافياً لتصحيح كل شرط، لفقدت القواعد الآمرة في نظام العمل جانباً كبيراً من وظيفتها.
من هنا تأتي مسؤولية القضاء العمالي في ألا يقف عند ظاهر العبارة، بل ينظر إلى حقيقة الشرط وغايته وأثره؛ فثمة فارق بين تعويض اتفاقي قُدّر بإرادة مشروعة، وتعويض صوري لا يبقي من التعويض إلا اسمه.
كما أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تترك للقضاء وحده. فوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مدعوة إلى وضع ضوابط واضحة للتعويض الاتفاقي، وعلى منصة «قوى» ألا تسمح بأن تصبح توثيقاً تقنياً لشروط تبلغ من الاختلال حداً يهدر الحماية التي أقامها النظام.
وقد يكون التدخل التشريعي أكثر حسماً، بالنص صراحة على حد أدنى للتعويض الاتفاقي، أو تقرير معيار يمنع التعويض الرمزي والتفاوت الفاحش بين التزامات طرفي العقد.
فحماية العامل لا تعني إهدار حق صاحب العمل، وحرية التعاقد لا تعني مصادرة حقوق العامل. المسألة أعمق من ذلك: إنها البحث عن الحد الذي تنتهي عنده حرية الاتفاق، ويبدأ عنده واجب النظام في حماية التوازن العقدي.
ويبقى السؤال: إذا كان المُشرع قد ضمن للمتضرر تعويضاً لا يقل عن أجر شهرين عند تطبيق التعويض النظامي، فهل أراد حقاً أن يكون في وسع العقد أن يجعل ثمن الإنهاء غير المشروع مائة ريال؟
«العقد يُحترم لأن النظام يحمي الإرادة، لا لأن الإرادة تملك أن تُفرغ النظام من غايته».
من الممارسات التي تستحق التوقف أمامها أن تتضمن بعض عقود العمل شرطاً يقضي بأنه إذا أنهى صاحب العمل العقد لسبب غير مشروع، استحق العامل تعويضاً لا يتجاوز مائة ريال، بينما إذا صدر الإنهاء من العامل التزم بتعويض صاحب العمل عن كامل المدة المتبقية من العقد.
هنا لا نتحدث عن تفاوت في تقدير التعويض فحسب، بل عن سؤال يمس جوهر الحماية العمالية: هل كل مبلغ يكتب في العقد تحت مسمى «تعويض» يصبح تعويضاً بالمعنى الذي قصده النظام؟
تنص المادة السابعة والسبعون من نظام العمل على أنه: «ما لم يتضمن العقد تعويضاً محدداً مقابل إنهائه من أحد الطرفين لسبب غير مشروع»، استحق المتضرر التعويض المقرر نظاماً؛ وهو أجر خمسة عشر يوماً عن كل سنة خدمة في العقد غير محدد المدة، وأجر المدة الباقية في العقد محدد المدة، على ألا يقل التعويض في الحالتين عن أجر شهرين.
صحيح أن صدر المادة أجاز للطرفين تحديد التعويض اتفاقاً، لكن جواز الاتفاق شيء، وتحويله إلى وسيلة لإفراغ النص من غايته شيء آخر.
فإذا كان مجرد وجود مبلغ مكتوب في العقد كافياً لاستبعاد التعويض النظامي، مهما كان زهيداً، فما الذي يمنع أن يكون التعويض مائة ريال؟ بل ما الذي يمنع أن يكون ريالاً واحداً؟هنا يظهر الفارق بين وجود التعويض اسماً ووجوده حقيقةً.
فالتعويض ليس رقماً يوضع في العقد لاستكمال متطلباته، إنما أثر قانوني يقابل الإنهاء غير المشروع. فإذا انحدر إلى مبلغ رمزي لا يؤدي وظيفة حقيقية، ثم اقترن بتعويض بالغ على العامل عن الفعل ذاته، أصبح التساؤل مشروعاً عن حقيقة الشرط ومدى اتساقه مع الغاية الحمائية للنظام.
ولا يكفي للقول بصحة ذلك أن العامل قد وقّع العقد؛ لأن التوقيع لا يعني بالضرورة تكافؤ القدرة على التفاوض. فالعامل الباحث عن فرصة عمل يقف غالباً أمام عقد أعده صاحب العمل سلفاً: إما قبوله وإما فقدان الفرصة. ولو كان مجرد القبول كافياً لتصحيح كل شرط، لفقدت القواعد الآمرة في نظام العمل جانباً كبيراً من وظيفتها.
من هنا تأتي مسؤولية القضاء العمالي في ألا يقف عند ظاهر العبارة، بل ينظر إلى حقيقة الشرط وغايته وأثره؛ فثمة فارق بين تعويض اتفاقي قُدّر بإرادة مشروعة، وتعويض صوري لا يبقي من التعويض إلا اسمه.
كما أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تترك للقضاء وحده. فوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية مدعوة إلى وضع ضوابط واضحة للتعويض الاتفاقي، وعلى منصة «قوى» ألا تسمح بأن تصبح توثيقاً تقنياً لشروط تبلغ من الاختلال حداً يهدر الحماية التي أقامها النظام.
وقد يكون التدخل التشريعي أكثر حسماً، بالنص صراحة على حد أدنى للتعويض الاتفاقي، أو تقرير معيار يمنع التعويض الرمزي والتفاوت الفاحش بين التزامات طرفي العقد.
فحماية العامل لا تعني إهدار حق صاحب العمل، وحرية التعاقد لا تعني مصادرة حقوق العامل. المسألة أعمق من ذلك: إنها البحث عن الحد الذي تنتهي عنده حرية الاتفاق، ويبدأ عنده واجب النظام في حماية التوازن العقدي.
ويبقى السؤال: إذا كان المُشرع قد ضمن للمتضرر تعويضاً لا يقل عن أجر شهرين عند تطبيق التعويض النظامي، فهل أراد حقاً أن يكون في وسع العقد أن يجعل ثمن الإنهاء غير المشروع مائة ريال؟
«العقد يُحترم لأن النظام يحمي الإرادة، لا لأن الإرادة تملك أن تُفرغ النظام من غايته».