المستشفى قد يكون أفضل مكان لعلاج أزمة قلبية لكنه ليس بالضرورة أفضل مكان لمنع الأزمة التالية. تبدو هذه الجملة بديهية، ومع ذلك فإن أنظمتنا الصحية لا تزال مبنية إلى حد كبير حول نقيضها. فحين نتحدث عن تطوير الخدمات، يسهل أن نتحدث عن عدد الأسرة، وتوسعة المنشآت، وإضافة التخصصات، وشراء التقنيات الحديثة. وكلها استثمارات مهمة بلا شك لكنها تدور في معظمها حول المكان الذي نقصده بعد أن يقع المرض.

وطبيعة المرض تغيرت فالجزء الأكبر من العبء الصحي اليوم يرتبط بأمراض مزمنة تمتد سنوات، وعوامل خطورة تتشكل في تفاصيل الحياة اليومية. فالسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وأمراض القلب لا تبدأ عند باب المستشفى، ولا تضبط داخله وحده. والمريض بالسكري يحتاج إلى المستشفى عند حدوث المضاعفات، بينما يُصنع الجزء الأكبر من نجاح علاجه في الأيام التي لا يرى فيها طبيبًا أصلًا.

إذن السؤال ليس: هل نحتاج إلى المستشفى؟ وإنما: لماذا ظل مركز الجاذبية رغم أننا نعرف هذا كله منذ عقود؟


جزء من الإجابة يكمن في بنية الحوافز، فنماذج التمويل التقليدية تدفع مقابل الحدث «الزيارة، والإجراء، والتنويم». أما المريض الذي لم يحتج إلى شيء فلا ينتج فاتورة، ولا يظهر بالوضوح نفسه جهد من أسهموا في منع ذلك الحدث. وهكذا تصبح مكافأة ما وقع أسهل من مكافأة ما نجحنا في منع وقوعه.

ويضاف إلى ذلك هرم المكانة المهنية فالتميز في المهن الصحية وفي الطب على وجه الخصوص يرتبط في أذهان كثيرين بالتخصص الأدق، والإجراء الأعقد، والجهاز الأحدث، بينما تبقى الرعاية الأولية وطب الأسرة والصحة العامة أقل جاذبية لدى كثير من الخريجين. وحين ترتبط السمعة المهنية بالمستشفى، تنجذب إليه الكفاءات حتى وإن كان جزء كبير من صناعة الصحة يحدث خارجه.

ثم تأتي مرئية الاستثمار فالمستشفى مبنى يمكن رؤيته، وجهاز يمكن تصويره، وسرير يمكن عده. أما نجاح الرعاية المجتمعية فيظهر غالبًا في شيء لم يحدث: مريض لم يصل إلى الطوارئ ومضاعفة لم تقع، وتنويم لم يسجل، وإنسان عاش حياته دون أن يصبح زائراً متكرراً للمستشفى، ولا أحد يقص شريطاً افتتاحياً لأزمة لم تحدث.

يضاف إلى ذلك أن ما يحدث داخل المستشفى يوثق ويقاس بصورة أفضل مما يحدث خارجه، فتزداد الأدلة المتاحة عنه ويسهل الدفاع عن الاستثمار فيه. وقد تنشأ بذلك حلقة مغلقة: نضعف تمويل ما لا نقيسه جيداً، ثم نستشهد بضعف أدلته لتبرير استمرار ضعف الاستثمار فيه.

كما أن نقل مركز الثقل يحتاج إلى ثقة المجتمع، فكثير من الناس يربطون جودة الرعاية بالوصول إلى الاستشاري وكثرة الفحوصات، وينظر بعضهم إلى الرعاية الأولية باعتبارها محطة في الطريق إلى التخصص، لا وجهة للرعاية في ذاتها.

وقبل الحماس لهذا التحول ينبغي الاعتراف بحقيقتين. الأولى أن الوقاية ليست دائما أرخص، فبعض التدخلات الوقائية تحقق قيمة صحية كبيرة بتكلفة إضافية. وهذا لا ينتقص من أهميتها، فالغاية من الوقاية تتجاوز توفير المال إلى منح الإنسان فرصة أكبر لحياة أطول وأكثر صحة، وربط قيمتها بالوفر المالي وحده يجعلها رهينة لأول تدخل لا يحقق ذلك الوفر.

والأخرى أن الرعاية حين تنتقل إلى المنزل لا يختفي العمل، وإنما ينتقل جزء منه إلى الأسرة في متابعة الأدوية والقراءات والعناية اليومية. قد تبدو الرعاية المنزلية أقل كلفة، لأن جزءًا من كلفتها لا يظهر في الميزانية. لذلك يحتاج التحول العادل إلى تدريب الأسرة ودعمها، ومراعاة من يفتقر إلى المهارات الرقمية أو الدعم الأسري.

في المملكة يمنح التحول الصحي فرصة لإعادة رسم هذه العلاقة عبر نموذج الرعاية الصحية الجديد، والتجمعات الصحية، وتوسع الصحة الرقمية والرعاية المنزلية. غير أن نقل مركز الثقل، يحتاج إلى حوافز تكافئ استمرارية الرعاية ونتائجها، ورعاية أولية جاذبة للكفاءات، ونظام يوثق ما يحدث خارج المستشفى بالجدية نفسها التي يوثق بها ما يحدث داخله، ومريض وأسرة شريكان حقيقيان في الرعاية.

هذا لا يقلل من قيمة المستشفى، وإنما يعيده إلى المكان الذي يحقق فيه أكبر أثر: الحالات التي تحتاج فعلًا إلى إمكاناته وتخصصاته، بينما تبنى بقية المنظومة حول حياة الإنسان. فقد تكون المنشأة الممتلئة بالمرضى دليلاً على كفاءة تشغيلية عالية لكنها وحدها لا تخبرنا عن صحة المجتمع الذي تخدمه.

فمستقبل الرعاية الصحية لن يصنع كله داخل الأسوار جزء كبير منه سيصنع حيث تبدأ الصحة والمرض فعلًا... في حياة الناس!