لكن- وبعد أكثر من عقدين على الحادثة - تبدو المفارقة قاسية. فالعامل الإنساني نفسه أصبح في مناطق الصراع جزءًا من دائرة الخطر، وسجلت السنوات الأخيرة مستويات غير مسبوقة من قتل العاملين في الإغاثة واستهدافهم. هذه الخسائر لا تقع على المؤسسات وحدها؛ فخلف كل مسعف أو طبيب أو سائق شاحنة إغاثة، طريق يصل إلى البشر الذين ينتظرون في نهايته. وحين يُغلق هذا الطريق فإنه يعني مستشفى بلا دواء، أو مخيمًا بلا ماء، أو أطفالًا ينتظرون غذاء لن يصل.
نشأ القانون الدولي الإنساني من إدراك واقعي بأن البشرية قد لا تستطيع منع الحروب، لكن بمقدورها- على الأقل- أن تمنعها من ابتلاع كل شيء. لذلك كانت هناك دائمًا مساحة يفترض أن تبقى خارج المعركة: المدني، والمستشفى، وسيارة الإسعاف، والعامل الذي يحمل الغذاء والدواء. وما يثير القلق اليوم هو «تآكل هذه المساحة».
كما تكشف أزمات السودان وغزة وجهًا آخر للمشكلة. فالعالم لا يعاني دائمًا من غياب الغذاء والدواء، قدر ما يعاني من صعوبة إيصالهما. فربما يوجد الطعام والدواء في الموانئ، والمستودعات، ويتوفر التمويل لدى المؤسسات، لكن تبقى تلك المسافة القصيرة بين فرق الإغاثة والضحايا، أطول مسافة في العالم.
في السودان صنعت الحرب والنزوح وتعطل الأسواق وصعوبة الوصول واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية، حتى أصبح الجوع نتيجة سلسلة من الانهيارات، تبدأ بالسلاح والنزاع السياسي، لكنها تنتهي عند إنسان لم يصله الماء أو الغذاء . وفي غزة أصبحت المعابر والقوافل والمستشفيات وآليات توزيع المساعدات، جزءًا أساسيًا من النقاش حول الحرب! وهنا يظهر تحول خطير في الصراعات الحديثة: أن يصبح السماح بوصول الإغاثة للمناطق المنكوبة، هو نفسه ورقة من أوراق الحرب والقوة العسكرية.
وهذا يفرض على العالم إعادة التفكير في مفهوم العمل الإنساني. فلم يعد نجاح الإغاثة مرتبطا بعدد الشاحنات والوجبات والمخيمات، بل بإمكانية الوصول في الوقت المناسب، وبحماية العاملين فيه، وببناء قدرة المجتمعات المنكوبة على الصمود.
من جهة أخرى، الإنسان الذي يتلقى المساعدة ليس رقمًا في تقرير أو صورة لاستدرار التعاطف؛ صحيح أنه فقد بيته أو أمنه أو مصدر رزقه، لكنه لم يفقد كرامته ولا حقه بأن يكون شريكًا في تحديد احتياجاته الإنسانية.
من هنا تصبح حماية العمل الإنساني قضية تتجاوز المنظمات الإنسانية، إلى النظام الدولي نفسه. وهو ما تطالب به هذه المنظمات الإنسانية والحقوقية. عرقلة وصول فرق الإنقاذ والإغاثة لضحايا الحروب والكوارث، جريمة إنسانية متكاملة.
وفي مشهد يدعو للفخر والاعتزاز، تبرز «التجربة السعودية» الاستثنائية التي حولت العمل الإنساني من كونه استجابة مؤقتة، إلى عمل مؤسسي منظم. وذلك من خلال «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» حيث امتدت برامجه إلى عشرات المجتمعات المتضررة، من الغذاء والصحة والإيواء إلى المياه والتعليم، واستمر الحضور السعودي هذا العام في غزة والسودان واليمن وغيرها، عبر العمل الميداني والشراكات الدولية.
القيمة الأعمق لهذه التجربة لا تكمن في حجم ما يقدم وحده، بل في ترسيخ الإغاثة باعتبارها مسؤولية لها مؤسساتها واستمراريتها وأدواتها، وليست مجرد فعل كريم بدافع التعاطف.
يحمل اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام 2026 هماً يتخطى حدود الاحتفاء بالعاملين فيه، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف نحافظ على المساحة الإنسانية آمنة وممكنة داخل عالم اتسعت فيه الحروب؟