أصيل الجعيد

في التعليم، تستطيع الدولة قياس نسبة الالتحاق بالمدارس وعدد الطلاب لكل معلم ومعدلات التخرج ونتائج الاختبارات. لكن هذه الأرقام لا تقيس بسهولة جودة الحوار داخل الفصل، ولا قدرة المعلم على إثارة الفضول، ولا مقدار الثقة التي يزرعها في الطالب.

وفي الصحة يمكن قياس عدد الأسرة والأطباء ومتوسط أوقات الانتظار ونسب النجاة. ومع ذلك تبقى جوانب مثل جودة التواصل بين الطبيب والمريض، والشعور بالأمان، والكرامة أثناء تلقي العلاج، أصعب بكثير في القياس.

حتى الناتج المحلي الإجمالي، أشهر مؤشرات الاقتصاد الحديث، يقدم مثالًا مهمًا. فهو أداة بالغة الأهمية لقياس النشاط الاقتصادي، لكنه لم يُصمم ليكون مقياسًا شاملًا لجودة الحياة. قد يرتفع الناتج بينما تتدهور جوانب أخرى تهم المجتمع، ولهذا ظهرت عبر العقود محاولات دولية لبناء مقاييس أوسع للرفاه وجودة الحياة والتنمية البشرية.

المشكلة إذن ليست أن المؤشرات تكذب، بل أننا - أحيانًا - نطلب منها أن تقول أكثر مما تعرف.

وهناك سبب آخر للفجوة بين المؤشر والواقع: الزمن. البيانات بطبيعتها تنظر إلى ما حدث، بينما القرار يتعلق بما يحدث الآن أو بما سيحدث لاحقًا. عقد إيجار مسجل قبل ثمانية أشهر يمثل حقيقة تاريخية صحيحة، لكنه قد لا يمثل سعر السوق مساء اليوم. وإذا كان السوق سريع الحركة، فبضعة أشهر كافية لإحداث فجوة معتبرة بين قاعدة البيانات والمشهد الفعلي.

ثم تأتي مشكلة الانتقاء. ما يظهر في البيانات ليس دائمًا صورة كاملة للسوق. بعض الصفقات لا تدخل قاعدة البيانات المستخدمة، وبعض الخصائص لا تسجل، وبعض العينات تتركز في نوع معين من الوحدات. وعندما تكون العينة مختلفة عن المجتمع الذي نحاول فهمه، يصبح المؤشر دقيقًا في وصف العينة وأقل دقة في وصف الواقع الأكبر.

هناك كذلك المتوسطات، وهي من أكثر الأدوات الإحصائية فائدة وأكثرها قابلية لسوء الاستخدام. عندما نقول إن متوسط إيجار الشقة في حي معين سبعون ألف ريال، قد تكون هناك مجموعة كبيرة عند خمسين ألفًا وأخرى عند تسعين ألفًا. المتوسط صحيح حسابيًا، لكن الشقة التي سعرها سبعون ألفًا قد تكون نادرة أصلًا.

لهذا يحتاج صانع القرار إلى النظر في التوزيع، والوسيط، والشرائح، والقيم المتطرفة، وليس المتوسط وحده.

الأخطر من ذلك كله يبدأ عندما يتحول المؤشر من وسيلة للقياس إلى هدف في ذاته.

هذه الظاهرة معروفة في الفكر الإداري والاقتصادي، ومضمونها أن المقياس عندما يصبح هدفًا مباشرًا يبدأ الناس في تعديل سلوكهم لتحسين الرقم، حتى لو لم يتحسن الشيء الذي يفترض أن الرقم يقيسه. المستشفى الذي يقاس أداؤه فقط بسرعة استقبال المرضى قد يحسن زمن الانتظار على الورق من دون تحسين جودة العلاج. والجامعة التي تقاس فقط بعدد الأبحاث قد تنتج عددًا أكبر من الأوراق دون زيادة مماثلة في المعرفة ذات القيمة.

هنا تقع خطيئة أخرى: أن ننجح في المؤشر ونفشل في الغاية التي أنشئ المؤشر من أجلها.

الحل ليس التخلي عن المؤشرات.

العودة إلى القرارات المبنية على الانطباع وحده ستكون خطوة إلى الوراء. المطلوب هو قدر أكبر من التواضع أمام الرقم.

المؤشر الجيد يجب أن يصاحبه دائمًا سؤالان: ماذا يقيس؟ وماذا لا يقيس؟

وفي الأسواق المعقدة، لا يكفي مصدر واحد للمعرفة. بيانات العقود تخبرنا بما حدث، والإعلانات تكشف توقعات البائعين والملاك، والمعاينة الميدانية تكشف جودة الأصل، والمقابلات مع المتعاملين تكشف المزاج، والبيانات الجغرافية تكشف تغير المكان، والسلاسل الزمنية توضح الاتجاه. عندما تجتمع هذه المصادر تبدأ الصورة في الاقتراب من الواقع.

ولهذا فإن أفضل المحللين ليسوا أولئك الذين يملكون أكبر عدد من المؤشرات، وإنما الذين يعرفون حدود كل مؤشر.

الأرقام تمنحنا قدرة هائلة على رؤية العالم من الأعلى. المشكلة أن بعض الحقائق لا تظهر إلا عندما ننزل إلى الشارع.

قد تقول لوحة البيانات إن الإيجار في هذا الحي سبعون ألفًا. ثم تقف أمام بنايتين متجاورتين، فتفهم خلال دقائق لماذا تؤجر الأولى بخمسين ألفًا والثانية بمئة ألف. عندها لا يكون الواقع قد هزم الإحصاء، وإنما كشف الجزء الذي لم يستطع الإحصاء رؤيته.

خطيئة المؤشرات ليست في الأرقام نفسها، وإنما في اللحظة التي ننسى فيها أن كل رقم هو اختصار لواقع أكبر منه.