خالد العضاض

عند تأمُّل مشروع سمو الأمير محمد بن سلمان الحضاري، يصعب أن نضع الثقافة في هامش المشهد، أو أن ننظر إليها بوصفها ترفًا يأتي بعد الاقتصاد والسياسة والتنمية، فالثقافة في هذا المشروع جزءٌ من إعادة بناء الإنسان نفسه؛ الإنسان الذي يعرف من أين جاء، ويدرك موقعه في حاضره، ويمتلك الثقة التي تمكنه من النظر إلى المستقبل دون خوف من الماضي أو انغلاق عن العالم.

ولعل هذا هو التحول الأهم في النظر إلى الثقافة: أن تنتقل من كونها نشاطًا محدودًا يمارسه بعض المهتمين، إلى كونها جزءًا لا يتجزأ من الحياة، وعنصرًا في بناء جودة الحياة، ومجالًا للإبداع والاقتصاد، وأداة لتعزيز الهوية والحضور الوطني.

لقد أعاد مشروع سمو الأمير محمد بن سلمان الثقافة إلى قلب المشروع الوطني، لا باعتبارها مجموعة من الفعاليات والمهرجانات، وإنما باعتبارها مجالًا لإعادة اكتشاف السعودية نفسها، فحينما يعاد الاهتمام بالشعر، والفنون، والموسيقى، والمسرح، والأدب، والعمارة، والحرف، والأزياء، والطعام، والمتاحف، والمواقع التاريخية، فإن الأمر لا يتعلق بإحياء أشياء من الماضي فحسب؛ بل بإعادة تعريف ما يمكن أن يكون عليه الحاضر السعودي، وهنا تتصل الثقافة بالهوية، فالهوية ليست صورة جامدة نحتفظ بها في المتاحف، ولا ماضيًا نتحصن خلفه كلما تغير العالم، إنما الهوية الحية هي التي تستطيع أن تتجدد دون أن تفقد جذورها.

ولذلك فإن استعادة عناصر الثقافة السعودية وإعادة تقديمها في أشكال معاصرة ليست عودة إلى الوراء، وإنما هي نوع من إجراء مصالحة بين الأصالة والحداثة، وعند هذه النقطة تحديدًا يمكن فهم جانب مهم من فكر سمو الأمير محمد بن سلمان: «الثقة بالذات تسبق الانفتاح على الآخر»، فالمجتمع الواثق من هويته يستطيع أن ينفتح على الثقافات الأخرى دون أن يشعر بأن كل جديد يمثل تهديدًا له، ويستطيع أن يستقبل العالم، وأن يقدم نفسه إليه، وأن يأخذ منه ويعطيه، دون أن يفقد صوته الخاص، ولهذا فإن الانفتاح الثقافي الذي تشهده المملكة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره تخليًا عن الخصوصية، بل باعتباره انتقالًا من ثقافة تخشى الاختلاف إلى ثقافة قادرة على الحوار معه، وفي الوقت نفسه، لم تعد الثقافة في هذا المشروع محصورة في بعدها المعنوي؛ فقد أصبحت صناعة أيضًا، فالكتاب صناعة، والسينما صناعة، والموسيقى صناعة، والتصميم والألعاب والفنون والتراث والصناعات الإبداعية كلها مجالات قادرة على خلق فرص العمل والاستثمار وتحريك الاقتصاد، وهنا تلتقي الثقافة مع أحد أهم مرتكزات رؤية 2030: تحويل الإمكانات الكامنة في المجتمع إلى قيمة مضافة في الاقتصاد والحياة.

وهذا يفتح أمام الشباب السعودي مجالًا مختلفًا؛ فالموهبة لم تعد بالضرورة هواية تمارس في الهامش، وإنما يمكن أن تتحول إلى مهنة ومشروع وصناعة ومستقبل.

غير أن البعد الأوسع للثقافة في مشروع سمو الأمير محمد بن سلمان هو علاقتها بصورة السعودية في العالم، فالدول لا تقدم نفسها للعالم بالسياسة والاقتصاد وحدهما، وإنما تقدم نفسها أيضًا بلغتها الثقافية، وفنونها، وآدبها، وتراثها، وطعامها، وموسيقاها، ومدنها التاريخية، ومبدعيها، وعندما يكتشف العالم السعودية من خلال هذه النوافذ المتعددة، فإنه لا يتعرف إلى بلد واحد الأبعاد، وإنما إلى مجتمع له تاريخ وثقافة وحياة وإبداع وطموح، وعندها تتحول الثقافة إلى «قوة ناعمة»؛ لا تشرح السعودية للعالم بالكلمات فقط، بل تجعله يراها ويعيش شيئًا من تفاصيلها.

ولعل أجمل ما في هذا التحول أن الثقافة لم تعد موجهة إلى الخارج وحده، فإعادة اكتشاف الثقافة السعودية تخاطب السعودي قبل غيره، إنها تقول له إن ما ورثه من شعر وفن وحرفة وعمارة وحكاية ومكان ليس مجرد بقايا من زمن مضى، بل جزء من تكوينه، ويمكن أن يصبح مادة للإبداع في زمنه هو، وهكذا تصبح الثقافة فعلًا من أفعال بناء الإنسان، فالإنسان الذي يعرف تاريخه، ويفهم موروثه، ويتذوق الفن، ويقرأ، ويستمع، ويبدع، ويتحاور مع المختلف، هو إنسان أكثر قدرة على فهم نفسه والعالم من حوله.

ومن هذا كله يمكن أن نفهم أن الثقافة في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان بوصفها جزءًا من مشروع أوسع هي: «إعادة بناء علاقة الإنسان السعودي بنفسه ووطنه والعالم»، فالثقافة -كما أسلفنا- ليست أن نعود إلى الماضي، ولا أن نهرب منه؛ وإنما أن نعرفه ونفهمه، ثم نمتلك الثقة الكافية لنصنع منه جسرًا إلى المستقبل، وهذه، في جوهرها، ليست مجرد نهضة ثقافية فحسب؛ إنما هي محاولة لإعادة تعريف السعودية نفسها: وطنًا يعرف جذوره، ويعيش حاضره، ويصنع مستقبله، ويتحدث إلى العالم بصوته الخاص.