ليس المقصود من هذه الأسطر الدخول في نقاش وجدال حول الاحتفال بالمولد النبوي، فذلك موضوع جرت فيه حوارات ومجادلات كثيرة، لكننا بصدد الحديث عن استغلال المولد النبوي كموسم لفرض الجبايات وجمع الأموال وتوسيع الموارد على حساب قوت البسطاء والعامة، باسم رسول الله، وباستغلال سيرته العطرة، وهو ما يحدث كل عام في ظل سيطرة ميليشيا الحوثي وجماعتها على أجزاء واسعة من اليمن، تمثل الثقل الأكبر من حيث عدد السكان، الذين أوسعتهم الجماعة ضرائب وجبايات ونهبًا للأموال، عامة كانت أو خاصة.
مع اقتراب شهر ربيع الأول تبدأ في مناطق سيطرة الجماعة حركة واسعة لا تُبقي على أحد ولا تستثني أحدًا، كان فقيرًا أو غنيًا، شخصًا كان أو جهة، ويمر قادة الجماعة على الأحياء والقرى والمراكز التجارية والأسواق والشركات والمؤسسات، يفرضون عليهم الإتاوات ويلزمونهم بدفع الجبايات بدعوى وحجة الاحتفال بالمولد النبوي، وتتحول المناسبة إلى حملة تعبئة وجمع موارد تشترك فيها الجماعة من أعلى هرمها، وتشمل كل أحد في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
تقارير عدة نقلها صحفيون وحقوقيون ومنظمات تعمل هناك، تتحدث عن أن الجبايات المرتبطة بالمولد النبوي غالبًا ما تأتي مترافقة ومتزامنة مع رسوم ضريبية وجمركية تعود لذات السبب: المشاركة في الاحتفال وتغطية نفقاته، دون أسانيد رسمية أو محصلين رسميين، بل يمر مشرفو الجماعة وقياداتها على المحلات التجارية لغرض التحصيل وجمع الجباية، وقد يمر في اليوم الواحد على التاجر، صغيرًا كان أو كبيرًا، أكثر من مشرف للتحصيل وجمع الجباية والمواطن ملزم بالدفع وليس له حق الاعتراض.
إضافة لما سبق ذكره من فرض الرسوم والضرائب والإتاوات، هناك مصطلح آخر يتم من خلاله جمع الموارد تسميه الميليشيات بـ«المساهمات»، وهي تبدو في ظاهرها عملًا تطوعيًا اختياريًا، لكن طريقة جمعها وتحصيلها تثبت العكس من ذلك تمامًا؛ إذ تؤخذ بالقوة، ومن يتخلف عنها يوصم بالتخوين والعمالة وعدم محبة النبي، وغيرها من التهم الجاهزة لكل من خالف أو عارض.
وإن كنا قد تحدثنا حتى الآن عما تجمعه الجماعة ومشرفوها من أموال القطاع الخاص، فإن العبث الذي يطال القطاع العام أدهى وأمرّ، فالجماعة تسخر كل إمكانات قطاعات الدولة ومواردها تحت تصرف مشرفيها، ويتحول المسؤولون والوزراء إلى مجرد محصلين أو موقعين على ما يقرره المشرف من صرفيات، سواء أكانت نقدية أو عينية، وحينها يختفي سؤال: كم جمعت الجماعة خلال هذه الفعالية؟ ليحل محله سؤال: ما مقدار ما سخّرته الجماعة من المال العام تحت نظر قادتها ومشرفيها من موارد مالية وعينية وبشرية؟ فكل ما يقع بأيديهم يأخذونه ويوجهونه ويستخدمونه تحت لافتة حب النبي والاحتفال به، والنبي وسنته وسيرته ومولده منهم براء.
تنتهي هذه الحملة وتمر دون أن تعلن الجماعة رقمًا أو تكشف عن حجم الموارد التي جمعت خلالها، ولا يعرف المواطن مقدار ما جُمع من القطاع الخاص، ولا نسبة مساهمة المواطنين كأفراد، ولا مقدار ما تم نهبه واستخدامه من موارد الدولة، ولا أين ذهبت كل تلك الموارد ولا فيما أُنفقت، خاصة أن ما يُرى في الإعلام من بهرجة وزينة خضراء واحتفالات يُلزم بها المواطنون؛ فكل صاحب متجر ملزم بعمل الزينة على واجهة متجره وتعليق الإضاءة الخضراء وتلوين ما هو أمام محله من الشارع، وكل مواطن ملزم بتعليق الزينات والإضاءة الخضراء على منزله أيضًا، وما يُجمع من موارد يعود لخزينة الجماعة وجيوب قادتها ومشرفيها.
وبهذا يجد المواطن نفسه وقد دفع للجماعة أكثر من مرة؛ فمرة دفعها نقدًا، وأخرى دفعها بشراء الزينة، وثالثة دفعها بحرمانه من مرتباته والخدمات التي يتوجب على الجماعة كسلطة أمر واقع القيام بها. فهو يدفعها في نقص الغذاء، ونقص الدواء، وفي فاتورة الكهرباء التي ارتفع سعرها نتيجة احتكارها من قبل الجماعة ومشرفيها، وهو يدفعها أيضًا في شتى مناحي حياته.
وبهذا يكون الحوثيون قد نجحوا في تحويل المولد النبوي من مناسبة دينية يفرح بها المسلمون ويحتفلون بها كلٌّ على طريقته، إلى سوق سياسية واقتصادية تملأ خزائنهم، وتزيد في ثرواتهم، وتعزز ممتلكاتهم واقتصادهم وشبكات نفوذهم.
ولا ينبغي لمن يشاهد صنعاء من خارجها أن تخدعه كثافة الألوان أو الأضواء، فكل ذلك تم على حساب مواطن يعيش بلا راتب منذ أكثر من عشر سنوات، وبلا كهرباء، وبلا خدمات صحية، وكل ذلك دفع فاتورته مواطن أرهقته الحرب، وبات يمضي يومه ولا يعلم ما سيؤول إليه أمره في غده: ماذا سيأكل؟ وكيف سيعيش؟ وغيرها من الأسئلة التي لا يجد إليها جوابًا.
*كاتب يمني
مع اقتراب شهر ربيع الأول تبدأ في مناطق سيطرة الجماعة حركة واسعة لا تُبقي على أحد ولا تستثني أحدًا، كان فقيرًا أو غنيًا، شخصًا كان أو جهة، ويمر قادة الجماعة على الأحياء والقرى والمراكز التجارية والأسواق والشركات والمؤسسات، يفرضون عليهم الإتاوات ويلزمونهم بدفع الجبايات بدعوى وحجة الاحتفال بالمولد النبوي، وتتحول المناسبة إلى حملة تعبئة وجمع موارد تشترك فيها الجماعة من أعلى هرمها، وتشمل كل أحد في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
تقارير عدة نقلها صحفيون وحقوقيون ومنظمات تعمل هناك، تتحدث عن أن الجبايات المرتبطة بالمولد النبوي غالبًا ما تأتي مترافقة ومتزامنة مع رسوم ضريبية وجمركية تعود لذات السبب: المشاركة في الاحتفال وتغطية نفقاته، دون أسانيد رسمية أو محصلين رسميين، بل يمر مشرفو الجماعة وقياداتها على المحلات التجارية لغرض التحصيل وجمع الجباية، وقد يمر في اليوم الواحد على التاجر، صغيرًا كان أو كبيرًا، أكثر من مشرف للتحصيل وجمع الجباية والمواطن ملزم بالدفع وليس له حق الاعتراض.
إضافة لما سبق ذكره من فرض الرسوم والضرائب والإتاوات، هناك مصطلح آخر يتم من خلاله جمع الموارد تسميه الميليشيات بـ«المساهمات»، وهي تبدو في ظاهرها عملًا تطوعيًا اختياريًا، لكن طريقة جمعها وتحصيلها تثبت العكس من ذلك تمامًا؛ إذ تؤخذ بالقوة، ومن يتخلف عنها يوصم بالتخوين والعمالة وعدم محبة النبي، وغيرها من التهم الجاهزة لكل من خالف أو عارض.
وإن كنا قد تحدثنا حتى الآن عما تجمعه الجماعة ومشرفوها من أموال القطاع الخاص، فإن العبث الذي يطال القطاع العام أدهى وأمرّ، فالجماعة تسخر كل إمكانات قطاعات الدولة ومواردها تحت تصرف مشرفيها، ويتحول المسؤولون والوزراء إلى مجرد محصلين أو موقعين على ما يقرره المشرف من صرفيات، سواء أكانت نقدية أو عينية، وحينها يختفي سؤال: كم جمعت الجماعة خلال هذه الفعالية؟ ليحل محله سؤال: ما مقدار ما سخّرته الجماعة من المال العام تحت نظر قادتها ومشرفيها من موارد مالية وعينية وبشرية؟ فكل ما يقع بأيديهم يأخذونه ويوجهونه ويستخدمونه تحت لافتة حب النبي والاحتفال به، والنبي وسنته وسيرته ومولده منهم براء.
تنتهي هذه الحملة وتمر دون أن تعلن الجماعة رقمًا أو تكشف عن حجم الموارد التي جمعت خلالها، ولا يعرف المواطن مقدار ما جُمع من القطاع الخاص، ولا نسبة مساهمة المواطنين كأفراد، ولا مقدار ما تم نهبه واستخدامه من موارد الدولة، ولا أين ذهبت كل تلك الموارد ولا فيما أُنفقت، خاصة أن ما يُرى في الإعلام من بهرجة وزينة خضراء واحتفالات يُلزم بها المواطنون؛ فكل صاحب متجر ملزم بعمل الزينة على واجهة متجره وتعليق الإضاءة الخضراء وتلوين ما هو أمام محله من الشارع، وكل مواطن ملزم بتعليق الزينات والإضاءة الخضراء على منزله أيضًا، وما يُجمع من موارد يعود لخزينة الجماعة وجيوب قادتها ومشرفيها.
وبهذا يجد المواطن نفسه وقد دفع للجماعة أكثر من مرة؛ فمرة دفعها نقدًا، وأخرى دفعها بشراء الزينة، وثالثة دفعها بحرمانه من مرتباته والخدمات التي يتوجب على الجماعة كسلطة أمر واقع القيام بها. فهو يدفعها في نقص الغذاء، ونقص الدواء، وفي فاتورة الكهرباء التي ارتفع سعرها نتيجة احتكارها من قبل الجماعة ومشرفيها، وهو يدفعها أيضًا في شتى مناحي حياته.
وبهذا يكون الحوثيون قد نجحوا في تحويل المولد النبوي من مناسبة دينية يفرح بها المسلمون ويحتفلون بها كلٌّ على طريقته، إلى سوق سياسية واقتصادية تملأ خزائنهم، وتزيد في ثرواتهم، وتعزز ممتلكاتهم واقتصادهم وشبكات نفوذهم.
ولا ينبغي لمن يشاهد صنعاء من خارجها أن تخدعه كثافة الألوان أو الأضواء، فكل ذلك تم على حساب مواطن يعيش بلا راتب منذ أكثر من عشر سنوات، وبلا كهرباء، وبلا خدمات صحية، وكل ذلك دفع فاتورته مواطن أرهقته الحرب، وبات يمضي يومه ولا يعلم ما سيؤول إليه أمره في غده: ماذا سيأكل؟ وكيف سيعيش؟ وغيرها من الأسئلة التي لا يجد إليها جوابًا.
*كاتب يمني