حمد عبدالرحمن المانع

الأعمال المهنية أو بالأحرى الفنية بشتى فروعها، تسهم وبشكل مثالي في تفعيل المفهوم الصناعي المتحضر، الذي تتكئ عليه الصناعات المختلفة، لا سيما أن أي صناعة لا يمكن أن تتم بمعزل عن أدوات تسهم في تطبيق النظريات العلمية وتجسيدها واقعاً على الأرض.

فالصناعات المختلفة على اختلاف تنوعاتها وارتباطها المباشر بمناحي الحياة المختلفة، تبدأ بفكرة ومن ثم يتم تحويلها إلى نظرية، وفقاً للمعادلات والقياسات التي تتطلبها هذه الصناعة أو تلك. وبالتالي يتم إعداد خطة الأداء والتنفيذ التي في ضوئها تتم التجربة ومن ثم طرحها في الأسواق بعد إجراء التجارب اللازمة.

وحينما تتبلور الفكرة وصولاً إلى إعداد الخطة المراد تطبيقها بهذا الصدد، فإن الخطة يلزمها كذلك مفاتيح اللعب لترجمتها على هذا الأساس. والمفاتيح هي الفنيون المهرة، الذين يحملون على عواتقهم عصارة التصنيع.

من هنا تولي الشركات الصانعة في مختلف دول العالم اهتماماً بارزاً بالكوادر الفنية، في ظل التطور التقني المذهل في هذا العصر وتأهيلهم فنياً ومعنوياً، مدعوماً بإعلام يستشرف عمق الارتباط الفني بالتقنية ومستلزماتها ،عبر تفعيل ثقافة العمل الفني ومدى أهميته في تطور الأمم ورقيها، مخلفة وراءها إرهاصات الماضي بكل تفاعلاته السلبية المعيقة للنهوض الصناعي.

هذه المنطقة إن جاز لي تسميتها الوسط هي حلقة الوصل بين صاحب النظرية، أي المخطط والمنفذ وفق القياسات والمعايير المعتمدة بهذا الخصوص، في حين أن تقوية وتعزيز هذه المنطقة يستوجب مزيداً من الاهتمام.

تعزيز المسار التكاملي بين وسائل الإعلام من جهة، والقائمين على الصناعات المختلفة من جهة أخرى، سيؤتي أكله. لذلك باتت الأمم تفخر بصناعاتها المختلفة وهي تسطر بزهو على منتجاتها صنع في بلد كذا وكذا.

حتماً لم تكن مسيرة الدول الصناعية بهذا الخصوص سهلة ويسيرة، بل واجهت المشاق واخترقت الصعاب لاستشعارها الدقيق مآل هذا التوجه وما سيجلبه من خير وفير للبلد وأهله. أي إن خلف مهارة الفنيين فلسفة إدارية ناجحة دفعتهم إلى تحقيق الثقة في أنفسهم وجرأتهم في التعلم، وتبني الأفكار الخلاقة. وبالتالي إبراز قدراتهم المختلفة، فضلاً عن تسويق الشعور بالمسؤولية بأسلوب المشاركة والعطاء. ومن ضمن الأطر الداعمة لهذا الأنشطة إضافة إلى تكثيف الضخ الإعلامي، تصحيح النظرة الدونية القاصرة للأعمال اليدوية، وتجييرها لتنتج الفنيين المهرة الذين تتكئ عليهم الصناعات المختلفة.

الحوافز والمغريات لها من الأثر الإيجابي الكبير على نحو يستلهم ابتكارات الشباب وإبداعاتهم، التي يعول عليها كثيراً في الخطط الرامية إلى دعم الاقتصاد ،وتنويع مصادر الدخل وعدم الاتكاء على موارد محدودة. فضلاً عن الاكتفاء الذاتي كمصدر قوة لا يستهان به البتة.

وثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام مرتبطة بالشباب الراغبين في العمل، ألا وهي غياب الجرأة، الأريحية ورحابة الصدر من قبل المعلمين والمدربين، من خلال تهيئة أرضية ملائمة لتقبل الأفكار، والاقتراحات الإيجابية حجر الأساس.

فقد تجد الشاب يستطيع أن يتقن مهنة معينة، ومهيأ لجرعة تدريبية على المهنة من خلال الدراسة والممارسة، كذلك خلال فترة التجربة أو التطبيق وهذه مرحلة في غاية الأهمية. بمعنى أن الفكر يحتضن الأساس، ويبقى اكتمال البناء منوطاً بالتدريب والممارسة، عامل الثقة ومقدار زرعها في نفسه، يعد حجر الزاوية في انطلاقته وتحقيق طموحه.

لا يوجد شخص دون مهارات باختلاف مستوى إتقانه هذه المهارة أو تلك، التعامل مع الشباب يجب أن يأخذ بعداً معنوياً يعزز من ثقته بقدراته ليترجمها على الأرض واقعاً من خلال منحه الفرصة، وإتاحة المجال لقدرته الذهنية في التفاعل مع المهنة بصيغة المشاركة والإبداع، لا الزج به في دائرة الاتهام والأحكام المسبقة. أوجد لي إنساناً ناجحاً لم يتعثر في البداية مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك، ولكنها المثابرة والإصرار على تحقيق الأهداف. ثقافة العمل واحترام المهن على اختلاف اختصاصاتها تتطلب جهد الجميع لنشرها وتأصيلها. فهل نعيد الثقة بأبنائنا ونعزز في نفوسهم ثقافة العمل ونكرس الطموح كإطار معنوي يأخذ بأيديهم إلى الطريق الصحيح؟ والرسالة أوجهها إلى كل شاب وشابة، اعلم أنك ترغب في وظيفة تؤمن بها مستقبلك وتخدم وطنك، وتحقق من خلالها ذاتك، كعضو منتج فاعل وستكون بإذن الله كذلك.

غير أنك يجب أن تتحلى بالصبر لتصل، خذ المعلومة من الكبير والصغير، واسأل عن كل شيء وخصوصاً في مجال العمل، في المدرسة تصلك المعلومة بينما الوضع في الممارسة والعمل يختلف، إذ يجب أن تحصل على المعلومة، بل إن إصرارك على الحصول عليها ممن لديهم الخبرة دليل وعيك. فلا تضعف خصوصاً وأن الكل يقف معك ويشد من أزرك، بل البلد كله يقف معك، فأنت ابنه وأنت ابنته ولن تجدوا من هو أحن من بلدكم عليكم.

إصلاح المركبات المتعطلة على سبيل المثال بسواعد الطلبة والطالبات تحت إشراف مهندسين متخصصين، يرسخ فهم القواعد الميكانيكية التي تحرك الأجهزة المختلفة، فضلا عن شعور الطلبة وهم يحققون هذا الإنجاز، لتطرق آفاقاً مشرقة في عقول وأذهان الشباب فينخرطون فيما يستهويهم، وربما يبدعون ويكونون نواة لمستقبل علمي صناعي أفضل. حتى يأتي اليوم الذي نفخر بهم وهم يزيحون الاتكاء على الغير، لتداعب الابتكارات المختلفة أذهانهم وتستثير إبداعاتهم، وقس على ذلك الأجهزة المختلفة كالثلاجات والتكييف والتلفزيونات وأجهزة الكمبيوتر وأدوات السباكة وغيرها، بل إن الشركات المختلفة ستحرص على استقطابهم وتوظيفهم بعد تخرجهم عطفاً على ذلك.