وكان ذلك جزءاً من واقع اجتماعي وتعليمي عاشته مناطق متعددة من الجزيرة العربية، في زمن كان التعليم فيه والمعرفة محدودة، والمجتمعات متباعدة، ووسائل التواصل بين العلماء والناس محدودة، لذلك انتقلت بعض العادات والمعتقدات بين الأجيال دون تمحيص أو مراجعة. ثم أنعم الله على هذه البلاد بوحدة عظيمة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله وطيب ثراه، الذي جمع شتات أقاليمها ووحد صفوفها، حتى أُعلن قيام الدولة السعودية الثالثة، المملكة العربية السعودية عام 1351هـ/1932م، فانتقلت البلاد إلى مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة ونشر التعليم والعناية بالعقيدة وترسيخ مرجعية الكتاب والسنة.
وكان من ثمار هذه الوحدة أن اتسعت دوائر العلم والتعليم، وتراجعت كثير من الخرافات والممارسات المخالفة للتوحيد، وترسخ في المجتمع أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى غلو في شخصه، ولا إلى ممارسات لم يأمر بها، ولم يعمل بها صحابته عليهم رضوان الله، وإنما تتحقق باتباعه والاقتداء بسنته والتحلي بأخلاقه وطاعة أمره واجتناب نهيه.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه من تجاوز الحد في محبته فقال: "لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم". وفي المقابل، فإن تصحيح الغلو لا يعني الجفاء في حقه صلى الله عليه وسلم، ولا التقليل من مكانته أو إضعاف حضوره في حياة المسلم، فمحبته أصل عظيم من أصول الإيمان، وسيرته مدرسة للرحمة والعدل ومكارم الأخلاق. وبين الغلو والجفاء مساحة واسعة اسمها الوسطية والاعتدال، وهي من أعظم سمات هذا الدين. وإذا كانت بعض المراحل القديمة قد شهدت صوراً من الغلو والخرافة، فإن المجتمع مر في مرحلة لاحقة بتجربة مختلفة، خاصة خلال العقود التي ارتبطت بما عُرف بـ"الصحوة". ولا يمكن إنكار ما كان في تلك المرحلة من جهود في الدعوة والتربية وتعزيز جوانب من التدين، شارك فيها علماء ودعاة ومربون مخلصون، إلا أن بعض الخطابات والممارسات مالت أحياناً إلى التشدد والتضييق، وتحويل مسائل اجتهادية إلى ساحات للجدل والمواجهة الاجتماعية. ومع مرور الزمن أصبحت الحاجة واضحة إلى مراجعة تعيد التوازن إلى الخطاب الديني، فالاعتدال لا يعني الانتقال من التشدد إلى التفريط، كما أن الانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت. والإسلام لا يقبل طرفي النقيض، لا الغلو الذي يرفع الأشخاص فوق منزلتهم، ولا التشدد الذي يضيق على الناس ما وسعه الله، ولا التفريط الذي يهمش العبادات والقيم والأخلاق.
وفي العهد السعودي الزاهر، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان حفظهما الله، تعزز نهج الوسطية والاعتدال ومواجهة التطرف والغلو، وتصحيح كثير من المفاهيم والممارسات التي تراكمت خلال مراحل مختلفة، مع المحافظة على ثوابت المملكة الإسلامية ومكانتها في خدمة الحرمين الشريفين والعناية بالقرآن الكريم والسنة النبوية. وهنا يصبح الثاني عشر من ربيع الأول فرصة للتأمل، لا في كيفية الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما في سؤال أهم، كيف نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ينبغي؟ نحبه حين تكون سنته حاضرة في أخلاقنا قبل أقوالنا، وحين نصدق في معاملاتنا، ونؤدي الأمانات، ونحفظ حقوق الناس، ونرحم الضعيف، ونحسن إلى الجار، ونبر الوالدين، ونربي أبناءنا على الصلاة والعبادة وحسن الخلق. ونحبه حين نرفض الغلو باسمه، كما نرفض التفريط في سنته، وحين نجعل الرحمة والعدل والاعتدال جزءاً من حياتنا اليومية.
أنعم الله على المملكة بوحدة بعد فرقة، وأمن بعد خوف، وعلم بعد جهل، ودولة جعلت خدمة الإسلام والحرمين الشريفين شرفاً ومسؤولية. والمحافظة على هذه النعم تقتضي تعزيز التوحيد والوسطية واجتماع الكلمة، ونبذ الخرافة والغلو والتطرف، وفي الوقت نفسه حماية المجتمع من التفريط في دينه وقيمه وعباداته. تغيرت كثير من الصور بين احتفالات الأمس ووعي اليوم، لكن محبة محمد صلى الله عليه وسلم باقية في القلوب، لا ترتبط بيوم واحد من العام، ولا بمظهر عابر أو مناسبة مؤقتة، لأنها محبة تمتد مع المسلم في عبادته وأخلاقه ومعاملاته طوال حياته.
فخير احتفاء برسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبعه، وخير دليل على محبته أن نقتدي به، وأن نعيش دينه كما جاء به، توحيداً ورحمة ووسطية واعتدالاً، لا غلو فيه ولا جفاء، ولا تشدد ولا تفريط.