نشاهد في حياتنا اليومية محتوى رقميًا متنوعًا في فضاء رحب، فيه الغث والسمين والرديء والجيد عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة، وهدفنا من ذلك اكتساب المعرفة ومتابعة الأحداث والترفيه والتواصل، وربما تمضية بعضٍ من الوقت واستهلاكه في مداعبة عقارب الساعة ليس إلا، وغير ذلك من أهداف مشروعة ومتاحة في عالم الإنسان المتجدد والمتغير، غير أنه من الصعب علينا أن نستوعب أو نقبل أن يكون لذلك المحتوى غرض آخر يضرب أخلاقنا وينخر فيها، ويحولها من أخلاق صلبة إلى أخلاق سائلة.
السيولة الأخلاقية هي تحول القيم الأخلاقية والمبادئ الراسخة من الثبات إلى عدم الثبات، فتصبح متغيرة تبعًا لتغير المصلحة والمنفعة والموضة والضغوط الاجتماعية وما إلى ذلك من أمور لا تمت بصلة إلى مفردة الأخلاق ومعناها. وللسيولة الأخلاقية أمثلة متعددة وحاضرة ملموسة في واقعنا، سنورد منها نزرًا يسيرًا في ثنايا هذا المقال لكل متتبع فطن يمتلك عيونًا مبصرة وعقلاً مدركًا واعيًا، ولنعلم أننا كلما انغمسنا في مشاهدة المحتوى ذي الطابع الهابط زادت تلك السيولة الأخلاقية وكثرت نماذجها وعظم أثرها السلبي علينا كأفراد وبالتالي كمجتمع.
سأصطحبك معي أيها المتتبع الفطن في رحلة سريعة خاطفة لمشاهدة الأمثلة المختارة، وبدلاً من أن أراها بعيوني فقط دعنا نراها سويًّا ؛ لنشكل رأيًا مشتركًا فيها يصلح لأن يكون حُكمًا حليفه الصواب والدقة، وسنسمي الأمثلة محطات نقف عند كل محطة في رحلتنا لنناقشها ونتحدث عنها، ولنبدأ بمحطتنا الأولى:
-المزاح الذي نراه في المقاطع التي تنتشر بسرعة الموجات الكهرومغناطيسية والفوتونات، ألا توافقني عزيزي الفطن المتتبع بأن هذا النوع من المزاح ما هو إلا سخرية وتنمر وليس كما يشاع كونه مزاحًا، وأن هدف أصحابه الذين قاموا بنشره هو تحقيق تفاعل أكبر ومشاهدة أكثر.
-محطتنا الثانية: (التِرند) الذي يتجدد كل يوم وينتشر انتشار البرق في الآفاق، ألا ترى معي أيها الفطن المتتبع بأنه انتهاك للخصوصية وترويج لعقلية القطيع ونشر للفضائح، وتنازل عن المبدأ لمجرد الركوب مع الموجة وعدم الشعور بالإقصاء أو الغربة الفكرية.
-محطتنا الثالثة: التساهل مع الألفاظ البذيئة وتمريرها بحجة أن أحد المؤثرين يستخدم تلك الألفاظ، ألا ترى معي أنه ليس أمرًا مقبولاً بل ومقززًا ولا ينتمي لدائرة الأخلاق، فالألفاظ البذيئة تبقى وستبقى بذيئة بغض النظر عمّن قالها.
-محطتنا الرابعة: المحتوى غير اللائق كلما تكرر وتعودت العين على مشاهدته يصبح لائقًا، ألا ترى معي أيها الفطن أن المحتوى غير اللائق يبقى غير لائق وأن حكمنا عليه لا يتغير ويبقى ذلك الحكم صلبًا ثابتًا.
-محطتنا الخامسة: الكذب إن كان وراءه مكاسب يتم تمريره، ألا تتفق معي أيها الفطن أن الكذب سيبقى كذبًا وأنه لا مبرر له مهما كانت المكاسب من ورائه.
-محطتنا السادسة: التافهون واللاأخلاقيون نماذج صالحة للاقتداء بهم بحجة أنهم مشهورون وناجحون وأغنياء، ألا ترى معي أيها الفطن أن الرموز الأبوية والدينية والفكرية هي نماذج صالحة للاقتداء بها وليس التافهون واللاأخلاقيون.
الإنسان الفَطِن يرى كل تلك الأمثلة وأكثر ولا يرتضيها ؛ لِيُبْقِي أخلاقه صلبة وثابتة، أخلاق يغذيها الصبر والعمل الجاد، ويحيط بها الصدق والأمانة في النقل، ولها خطوط حمراء تقف عندها، ولها ميزان واضح للصواب والخطأ، وتحركها سلوكيات متزنة لا تنجر وراء الضغوط ولا لشعار (الكل يفعل ذلك).
المحتوى الهابط خطير وخطير جدًّا، وله تبعاته المؤلمة ونتائجه الوخيمة، فهو يعمل كالمذيب الكيميائي للأخلاق الصلبة ويحولها إلى أخلاق سائلة تتغير مع كل تحديث في دنيا الناس.
وصلنا عزيزي الفطن المتتبع إلى نهاية رحلتنا، وأظن جازمًا بتكوّن علامة استفهام هائلة في عقلك الواعي مفادها:
هل يمكن أن نعزل أنفسنا عن العالم الرقمي؟!
سأجيبك إجابة مقتضبة أقول فيها:
لا يمكننا أن نعزل أنفسنا، لكننا نمتلك القدرة على التمييز والاختيار بفضل ما نملك من عقول واعية وقيم راسخة تجعلنا نقاوم الإغراءات ونتخذ القرارات السليمة.
يقول عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان صاحب نظرية الحداثة السائلة: «في عالم السيولة، لا توجد قيم صلبة نتمسك بها، بل تصبح الأخلاق مجرد خيارات مؤقتة يُعاد تفصيلها لتناسب الرغبات الفردية».
السيولة الأخلاقية هي تحول القيم الأخلاقية والمبادئ الراسخة من الثبات إلى عدم الثبات، فتصبح متغيرة تبعًا لتغير المصلحة والمنفعة والموضة والضغوط الاجتماعية وما إلى ذلك من أمور لا تمت بصلة إلى مفردة الأخلاق ومعناها. وللسيولة الأخلاقية أمثلة متعددة وحاضرة ملموسة في واقعنا، سنورد منها نزرًا يسيرًا في ثنايا هذا المقال لكل متتبع فطن يمتلك عيونًا مبصرة وعقلاً مدركًا واعيًا، ولنعلم أننا كلما انغمسنا في مشاهدة المحتوى ذي الطابع الهابط زادت تلك السيولة الأخلاقية وكثرت نماذجها وعظم أثرها السلبي علينا كأفراد وبالتالي كمجتمع.
سأصطحبك معي أيها المتتبع الفطن في رحلة سريعة خاطفة لمشاهدة الأمثلة المختارة، وبدلاً من أن أراها بعيوني فقط دعنا نراها سويًّا ؛ لنشكل رأيًا مشتركًا فيها يصلح لأن يكون حُكمًا حليفه الصواب والدقة، وسنسمي الأمثلة محطات نقف عند كل محطة في رحلتنا لنناقشها ونتحدث عنها، ولنبدأ بمحطتنا الأولى:
-المزاح الذي نراه في المقاطع التي تنتشر بسرعة الموجات الكهرومغناطيسية والفوتونات، ألا توافقني عزيزي الفطن المتتبع بأن هذا النوع من المزاح ما هو إلا سخرية وتنمر وليس كما يشاع كونه مزاحًا، وأن هدف أصحابه الذين قاموا بنشره هو تحقيق تفاعل أكبر ومشاهدة أكثر.
-محطتنا الثانية: (التِرند) الذي يتجدد كل يوم وينتشر انتشار البرق في الآفاق، ألا ترى معي أيها الفطن المتتبع بأنه انتهاك للخصوصية وترويج لعقلية القطيع ونشر للفضائح، وتنازل عن المبدأ لمجرد الركوب مع الموجة وعدم الشعور بالإقصاء أو الغربة الفكرية.
-محطتنا الثالثة: التساهل مع الألفاظ البذيئة وتمريرها بحجة أن أحد المؤثرين يستخدم تلك الألفاظ، ألا ترى معي أنه ليس أمرًا مقبولاً بل ومقززًا ولا ينتمي لدائرة الأخلاق، فالألفاظ البذيئة تبقى وستبقى بذيئة بغض النظر عمّن قالها.
-محطتنا الرابعة: المحتوى غير اللائق كلما تكرر وتعودت العين على مشاهدته يصبح لائقًا، ألا ترى معي أيها الفطن أن المحتوى غير اللائق يبقى غير لائق وأن حكمنا عليه لا يتغير ويبقى ذلك الحكم صلبًا ثابتًا.
-محطتنا الخامسة: الكذب إن كان وراءه مكاسب يتم تمريره، ألا تتفق معي أيها الفطن أن الكذب سيبقى كذبًا وأنه لا مبرر له مهما كانت المكاسب من ورائه.
-محطتنا السادسة: التافهون واللاأخلاقيون نماذج صالحة للاقتداء بهم بحجة أنهم مشهورون وناجحون وأغنياء، ألا ترى معي أيها الفطن أن الرموز الأبوية والدينية والفكرية هي نماذج صالحة للاقتداء بها وليس التافهون واللاأخلاقيون.
الإنسان الفَطِن يرى كل تلك الأمثلة وأكثر ولا يرتضيها ؛ لِيُبْقِي أخلاقه صلبة وثابتة، أخلاق يغذيها الصبر والعمل الجاد، ويحيط بها الصدق والأمانة في النقل، ولها خطوط حمراء تقف عندها، ولها ميزان واضح للصواب والخطأ، وتحركها سلوكيات متزنة لا تنجر وراء الضغوط ولا لشعار (الكل يفعل ذلك).
المحتوى الهابط خطير وخطير جدًّا، وله تبعاته المؤلمة ونتائجه الوخيمة، فهو يعمل كالمذيب الكيميائي للأخلاق الصلبة ويحولها إلى أخلاق سائلة تتغير مع كل تحديث في دنيا الناس.
وصلنا عزيزي الفطن المتتبع إلى نهاية رحلتنا، وأظن جازمًا بتكوّن علامة استفهام هائلة في عقلك الواعي مفادها:
هل يمكن أن نعزل أنفسنا عن العالم الرقمي؟!
سأجيبك إجابة مقتضبة أقول فيها:
لا يمكننا أن نعزل أنفسنا، لكننا نمتلك القدرة على التمييز والاختيار بفضل ما نملك من عقول واعية وقيم راسخة تجعلنا نقاوم الإغراءات ونتخذ القرارات السليمة.
يقول عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان صاحب نظرية الحداثة السائلة: «في عالم السيولة، لا توجد قيم صلبة نتمسك بها، بل تصبح الأخلاق مجرد خيارات مؤقتة يُعاد تفصيلها لتناسب الرغبات الفردية».