أبها: الوطن

لا تزال الأمم المتحدة تحافظ على أغلبية إيجابية في المزاج العالمي، لكن نتائج استطلاع مركز بيو للأبحاث ترسم صورة أكثر تعقيداً من مجرد تفوق المؤيدين على المعارضين. فبينما بلغت نسبة من لديهم رأي إيجابي في المنظمة 55% كوسيط بين 37 دولة، قال 37% إن نظرتهم إليها سلبية، بما يعكس استمرار حضورها بوصفها مؤسسة دولية رئيسية، بالتزامن مع تراجع الثقة بها في عدد من الدول. وشمل الاستطلاع 45.658 شخصاً، وأجريت المقابلات بين 8 فبراير و13 مايو 2026.

ويبرز التراجع بصورة أكثر وضوحاً في الدول التي كانت تسجل مستويات مرتفعة من التأييد. ففي نيجيريا، هبطت النظرة الإيجابية من 80% في 2025 إلى 63% في 2026، فيما تراجعت في الفلبين 16 نقطة، وفي كوريا الجنوبية 13 نقطة، وفي تايلاند وبيرو 10 نقاط لكل منهما. كما انخفض التأييد في أستراليا وجنوب إفريقيا وغانا وفرنسا والولايات المتحدة بنسب متفاوتة.

خرائط الرفض

وفي مقابل هذا التراجع، لا تزال المنظمة تحظى بتأييد قوي في عدد من الدول؛ إذ بلغت النظرة الإيجابية 74% في السويد، و72% في إندونيسيا وكينيا، و67% في تايلاند والفلبين، و66% في ألمانيا وسريلانكا، و65% في كندا وبريطانيا.

لكن المشهد ينقلب في دول أخرى. فقد سجلت إسرائيل أعلى نسبة رفض في الاستطلاع، إذ ينظر 79% من الإسرائيليين إلى الأمم المتحدة بصورة سلبية، مقابل 18% بإيجابية. كما تفوقت النظرة السلبية على الإيجابية في تركيا والضفة الغربية والقدس الشرقية واليابان واليونان وباكستان. وفي إسرائيل تحديداً، تتسع الفجوة داخل المجتمع نفسه؛ إذ بلغت نسبة النظرة السلبية 87% بين اليهود الإسرائيليين مقابل 50% بين العرب الإسرائيليين.

جيل مختلف

وتكشف النتائج أيضاً عن انقسام لافت على أساس العمر. ففي عدد كبير من الدول، يميل الشباب إلى النظر إلى الأمم المتحدة بصورة أكثر إيجابية من الفئات الأكبر سناً. ففي إيطاليا، مثلاً، بلغت النظرة الإيجابية 76% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً، مقابل 53% بين من تجاوزوا الخمسين. وسُجلت فجوات مشابهة في بيرو والمجر والمكسيك وسريلانكا وفرنسا والهند والبرازيل وغيرها. وحتى في إسرائيل والضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث تسود النظرة السلبية للمنظمة، تبدو مواقف الشباب أكثر إيجابية نسبياً من مواقف الأكبر سناً.

استقطاب سياسي

ولا تتوقف الفوارق عند العمر، بل تمتد إلى الانقسام السياسي والأيديولوجي. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تبلغ النظرة الإيجابية للأمم المتحدة 76% بين الليبراليين، مقابل 35% بين المحافظين. وتظهر فجوات أيديولوجية مماثلة، بدرجات متفاوتة، في أستراليا وكندا وألمانيا وإسرائيل وهولندا وبولندا والسويد وتركيا وبريطانيا. ويشير ذلك إلى أن تقييم المنظمة لم يعد منفصلاً عن الاستقطاب السياسي الداخلي في عدد من المجتمعات.

استثناء وحيد

وبينما تراجعت النظرة الإيجابية في 10 دول مقارنة بالقياسات السابقة، كانت سريلانكا الاستثناء الوحيد الذي شهد تحسناً ذا دلالة إحصائية؛ إذ ارتفعت نسبة من ينظرون إلى الأمم المتحدة بإيجابية من 58% في 2024 إلى 66% في 2026. وفي المقابل، وصلت النظرة الإيجابية في كوريا الجنوبية إلى أدنى مستوى يقيسه بيو منذ بدء استطلاعاته هناك عام 2007. كما تراجعت النظرة الإيجابية في فرنسا إلى 51%، مقارنة بـ63% عام 2021.

اختبار جديد

وتأتي هذه الأرقام عشية الدورة الجديدة للجمعية العامة، لتضع الأمم المتحدة أمام اختبار يتجاوز الملفات الدبلوماسية إلى قدرتها على الحفاظ على الشرعية الشعبية في عالم شديد الاستقطاب. فالأغلبية العالمية لا تزال تمنح المنظمة رصيداً إيجابياً، إلا أن تراجع التأييد في دول عدة، واتساع الفوارق المرتبطة بالعمر والانتماء السياسي والصراعات الإقليمية، يكشف أن صورة الأمم المتحدة ليست ثابتة، وأن قدرتها على استعادة الثقة ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على إقناع الرأي العام بفاعلية دورها في مواجهة الأزمات الدولية.