بندر خليل

تدخل عسير مرحلة تنموية واسعة تتغير معها صورة المنطقة ووظائفها وفرصها الاقتصادية. وتفتح المشروعات السياحية والعمرانية، وتطوير المواقع التراثية والبنية التحتية، أفقًا كبيرًا للاستثمار والعمل والإنتاج الثقافي. غير أن نجاح هذا التحول لا يقاس بحجم الإنشاءات وحده، بل بقدرته على حماية علاقة الإنسان العسيري بأرضه، وبناء ثقة الزائر بالوجهة، وتحويل السياحة إلى قوة تحافظ على المكان وتنعش اقتصاده.

تطمح استراتيجية تطوير عسير إلى جعل المنطقة وجهة عالمية طوال العام، تستند إلى ثقافتها الأصيلة وطبيعتها المتنوعة، واستقبال نحو تسعة ملايين زيارة بحلول عام 2030. ويحمل هذا الطموح فرصًا كبيرة، لكنه يفرض مسؤولية تجاه الموارد الطبيعية والتراثية والاجتماعية التي صنعت جاذبية عسير.

يمكن فهم هذه المسؤولية من خلال مفهوم «الإحساس بالمكان»، أي العلاقة التي تتكون بين الإنسان وبيئته عبر المعاني والذكريات والتجارب المتراكمة. فالمكان لا يقتصر على الجغرافيا والعمران، بل يعيش في أسماء المواضع وحكاياتها، والطرق التي اعتاد الناس سلوكها، والبيوت والفنادق والمطاعم والأسواق والمعالم المرتبطة بمراحل من حياتهم.

تقدم رواية «الحزام» لأحمد أبودهمان نموذجًا واضحًا لقدرة السرد على بناء علاقة عميقة بالمكان. فقد جعل أبودهمان من قرية آل خلف في سراة عبيدة مسرحًا روائيًا مكتملًا، وحوّل تفاصيلها الصغيرة إلى عالم إنساني يستطيع القارئ، عربيًا كان أو فرنسيًا، دخوله والتعلق به.

كتب أبودهمان القرية من داخل ذاكرتها: أهلها وبيوتها وطقوسها وغناؤها وعلاقتها بالطبيعة والتحولات الاجتماعية. وبنى حكايته على إحساس راسخ بالمكان، فجاءت التفاصيل المحلية معبرة عن أسئلة إنسانية كبرى.

يكشف هذا النموذج أن صناعة الوجهة قد تبدأ برواية صادقة قبل أن تبدأ بحملة إعلانية. فالسائح يبحث عن المكان الذي قرأ عنه وشعر بأنه يعرف أهله، ويريد أن يرى البيوت والجبال والطرقات التي تحركت داخل الحكاية. وقد منح أبودهمان قريته ما تحتاج إليه كل وجهة طموحة: قصة خاصة، وذاكرة حية، وسبب عاطفي للزيارة.

ويقدم حي النُّصب التراثي نموذجًا مختلفًا. فقد عاش الحي سنوات من الإهمال، وسكنت العمالة الوافدة عددًا من منازله القديمة، وتراكمت النفايات في أجزائه، وتعرضت مبانيه وممراته للتدهور. وكان الحي الذي يحمل جزءًا من ذاكرة أبها التاريخية، قد تحولت بيوته إلى مساكن للوافدين. وشكل هذا الواقع صورة واضحة للقطيعة بين المدينة وماضيها، في مرحلة غاب فيها الاهتمام بقيمة المكان وذاكرته.

بدأ التحول مع إطلاق مشروع إعادة تأهيل وترميم وتشغيل أحياء أبها القديمة، وفي مقدمتها حي النُّصب والبسطة، وفق ما أعلنته الأمانة وهيئة السياحة والتراث الوطني. ثم افتتح أحد أشهر قصور الحي للزوار عام 2017 بعد ترميمه، وشمل مشروع ولي العهد لترميم المساجد التاريخية مسجد النُّصب الذي يعود تأسيسه إلى عام 1101هـ.

يعبر ترميم حي النُّصب عن استعادة الإحساس بالمكان؛ إذ استعاد العمران صلته بتاريخه، وبدأت المباني تسترد حضورها الثقافي والاجتماعي. وتزداد قيمة المسار حين يشمل ممرات الحي وبيوته ومسجده وقصوره وعلاقته بوادي أبها وروايات الأسر التي سكنته، مع إدخالها في وظائف الثقافة والسياحة والاقتصاد.

فالموقع التراثي لا يصبح تجربة أصيلة بمجرد ترميم واجهاته، بل حين يظل متصلًا بأهله، وتُستعاد قصصه، ويُتاح للزائر فهمه من خلال حياة المجتمع لا من خلال عرض معزول عنه. ومن هنا يختلف ترميم النُّصب عن إعادة إنتاج شكل قديم؛ فهو محاولة لإعادة وصل الإنسان بالمدينة، وإدخال الذاكرة في حاضرها ومستقبلها.

تكشف المقارنة بين هدم القصبة وهدم فندق السودة وترميم النُّصب طبيعة التحول في الوعي التنموي والفكر الذي يدير المكان.

يعبّر هدم القصبة والفندق عن قرارات غابت عنها ذاكرة السكان وقيمة الرمز، بينما يجسد ترميم النُّصب وعيًا يعيد وصل الإنسان بالمدينة. وفي الحالات الثلاث يظهر المجتمع طرفًا أساسيًا في تعريف قيمة الموقع؛ فهو الذي يمنحه رمزيته، ويحفظ اسمه، ويشعر بأثر اختفائه أو عودته.

تظهر المشكلة في الجانب الآخر عندما تُعامل المواقع ذات القيمة الرمزية بوصفها فراغات قابلة لإعادة التشكيل، أو مباني تؤدي وظائف مباشرة يمكن استبدالها. ويقدم وادي أبها والقصبة والمكتبة العامة أمثلة مختلفة على هذا الخلل، رغم اختلاف طبيعة كل موقع.

كان وادي أبها، بما يختزنه من طبيعة وامتداد بصري وحضور في حياة المدينة، أحد أهم ملامح أبها وأكثرها اتصالًا بذاكرة أهلها وزوارها. لم يكن مجرد مجرى للمياه أو مساحة قابلة للتغطية، بل فضاء طبيعيًا يصل بين عناصر المدينة العمرانية والبيئية والاجتماعية.

لكن أجزاء طويلة منه حُولت في 2014 إلى ممشى بعد صب الأسمنت والحديد والخرسانة فوق مجراه، فتحول الوادي في أجزاء منه إلى ما يشبه العبّارة أو مجاري تصريف المياه الملوثة. ولم تكن المشكلة في إنشاء ممشى أو تحسين الوصول إلى الوادي، بل في الطريقة التي طغى فيها الحل الإنشائي على طبيعة المكان ووظيفته البيئية.

كان بالإمكان تطوير ممشى يحترم مجرى الوادي، ويستفيد من تضاريسه، ويحافظ على انفتاحه الطبيعي، ويعالج تصريف المياه دون تحويله إلى قناة أسمنتية. وكان يمكن أن يصبح متنفسًا حضريًا يجمع بين المشي والطبيعة والماء والظل، ويمنح السكان والزوار تجربة لا يمكن استنساخها في مدينة أخرى.

أيضاً «القصبة»، التي كانت علامة حضرية تختصر جانبًا من تاريخ أبها وذاكرة سكانها. ففي فجر الخميس 3 مايو 2012 هُدم دوار القصبة ضمن مشروع توسعة طريق الأمير سلطان وفك الاختناقات المرورية، مع أن الموقع كان من أشهر علامات الدخول إلى المدينة.

استمدت القصبة رمزيتها من القصبات العسيرية القديمة، وهي أبنية شيدها الأهالي للمراقبة وحماية أطراف القرى والمزارع، واستخدم بعضها لتخزين المؤن والحبوب. لذلك لم يكن شكلها عنصرًا تجميليًا عابرًا، بل كان اختصارًا بصريًا لنظام حياة جمع بين الأمن والزراعة والعمارة والتعاون الاجتماعي.

وينطبق الأمر نفسه على المكتبة العامة في أبها، وإن اختلفت طبيعة الرمز. فقد كانت مبنى يدل على حضور القراءة والكتاب والمعرفة، وفضاءً ارتبط بالطلاب والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي. ولم يكن هدمها ضرورة لا يمكن تجاوزها؛ إذ كان بالإمكان دمجها ضمن مشروع تطوير وادي أبها، أو إعادة توظيفها مركزًا للقراءة والفعاليات الثقافية والتاريخ المحلي.

كان وجود المكتبة إلى جانب الوادي والممشى سيمنح المشروع بعدًا يربط الطبيعة بالمعرفة. أما إزالتها فقد أضافت إلى خسارة الموقع الطبيعية خسارة ثقافية، وكرست النظرة إلى المبنى بوصفه عائقًا عمرانيًا، لا جزءًا من ذاكرة المدينة يمكن تطويره وإعادة تفسير وظيفته.

بينما يقدم فندق إنتركونتيننتال السودة مثالًا في السياق ذاته ولكن بطابع مختلف، يتعلق بقيمة الزمن في المنشآت السياحية. فقد ظل الفندق عقودًا جزءًا من صورة السودة وذاكرة الاصطياف في عسير، وارتبط بإقامات ولقاءات ومؤتمرات ومناسبات عائلية ورسمية، حتى أصبح أكثر من منشأة تقدم غرفًا وخدمات.

عندما هُدم الفندق، ضاعت فرصة التعامل معه بوصفه رصيدًا رمزيًا قابلًا للتجديد وإعادة التوظيف. فالفنادق العريقة تستمد جانبًا كبيرًا من قيمتها من تاريخها، ومن الشخصيات التي نزلت فيها والقصص التي جرت داخلها والذكريات التي حملها زوارها. وفي مدن العالم الكبرى، يصبح الفندق القديم جزءًا من هوية الوجهة، وقد تزداد قيمته الاقتصادية كلما حافظ على شخصيته وتاريخه.

كان يمكن تجديد الفندق، أو المحافظة على جزء منه، أو استعادة قصته داخل مشروع جديد. مثل هذا الخيار كان سيمنح التطوير عمقًا يتجاوز حداثة المبنى البديل، ويتيح للزائر أن يرى الجديد دون أن يفقد صلته بما عرفه سابقًا.

فالزائر الذي يعود إلى مدينة أو وجهة لا يبحث عن الجديد وحده، بل يريد أن يعثر على شيء يعرفه ويشعر بأنه عاد إليه. وعندما تختفي الفنادق والمطاعم والمعالم التي ارتبطت بزياراته السابقة، يفقد جزءًا من صلته المعنوية بالمكان، وتصبح ذاكرته بلا مواقع يستدل بها عليها.

تكشف هذه النماذج وغيرها مما لا يتسع المقام إلى ذكرها، أن الوجهة السياحية تحتاج إلى أكثر من المشروعات الجديدة. إنها تحتاج إلى ذاكرة مستمرة، وسرد يفسر معالمها، ومجتمع يشارك في تحديد ما يستحق البقاء. فقد يكون الوادي نظامًا بيئيًا وذاكرة يومية، وقد تكون القصبة علامة حضرية، وقد تكون المكتبة رمزًا ثقافيًا، وقد يتحول الفندق القديم إلى سجل لتاريخ السياحة.

ولهذا ينبغي أن تشمل دراسات المشروعات الكبرى سجلًا للذاكرة المكانية، تُوثق فيه المعالم والفنادق والمطاعم والأسواق والطرقات والأشجار والساحات والأودية والمباني الثقافية المرتبطة بحياة الناس. ويمكن قياس قيمة الموقع من خلال قصص السكان والزوار، ومدى حضوره في الصور والوثائق والأدب، وصلته بتاريخ المدينة وسمعتها.

كما ينبغي أن يصبح الأدباء والفنانون والمؤرخون والحرفيون والمزارعون ورواة التاريخ المحلي، والمجتمع الأبهاوي عمومًا، شركاء في صناعة الوجهة. فهؤلاء قادرون على اكتشاف المعنى الكامن في الموقع وتحويله إلى قصة وتجربة. وحين تدخل هذه المعرفة في التخطيط، يصبح التراث مصدرًا للعمل والدخل، وتتحول حماية الذاكرة إلى مصلحة اجتماعية واقتصادية مشتركة.

تنشأ عالمية عسير من وضوح شخصيتها وصدق تجربتها. فالمنتج السياحي الفاخر يمكن تكراره، بينما تبقى التجربة العسيرية مرتبطة بهذه الأرض وحدها. والإنسان هو الذي يمنح الجبل والوادي والمبنى معناه؛ لأنه قرأ تضاريسه، وبنى عليه، وزرعه، وسمّى مواضعه، وحفظ حكاياته.

التحول التنموي الحقيقي لا يكمن في القدرة على جذب الزائر فحسب، إنما في القدرة على أن يعاود زيارته مرة أخرى، حيث تبنى علاقة خاصة ووطيدة بينه وبين المكان.

التحول الحقيقي لا يقتصر على تشييد المعالم الجديدة فقط، بل إنه يحافظ على الذاكرة ويُدخل التراث في دورة الحياة والاقتصاد. فالتنمية الحقيقيّة والصحيحة، لمدينة مثل أبها، هي عملية تراكمية تعيد تأهيل ما هو موجود وتمنحه وظائف معاصرة دون أن تقطع صلته بتاريخ المدينة وأهلها.