ما أفدحَ الشعارات حين تُبتلى بمحنة الحقيقة! هناك، عند اللحظة التي تنتهي فيها الخطب ويبدأ الامتحان، تسقط الزوائد، وتنحسر زخارف القول، وتتعرّى الكلمات من الهيبة التي صنعتها الحناجر؛ فلا يبقى منها إلا ما تستطيع الأفعال أن تثبته. عندها لا تعود الرايات هي التي تتكلم، ولا الهتافات هي التي تحكم، بل تتولى الوقائع كشف ما عجزت الألسن عن ستره.
فالشعارات سهلة ما دامت معلّقة في الهواء، أما الحقيقة فتظهر حين تهبط الكلمات إلى الأرض، وتتحول المواقف إلى أفعال، والأفعال إلى آثارٍ تصيب الناس والأمكنة. هناك فقط يُعرف صدق الدعوى من بريقها، وثبات المبدأ من تقلب المصلحة. طالما ارتفعت حناجر تهتف بالموت على عدوٍّ وراء البحار، حتى خُيّل للسامع أن مراكبه ستُستقبل بالحديد والنار؛ فإذا جدّ الجد، أُمنت له المسالك، وانفسحت له البحار، ومضت سفنه في مأمنٍ من الوعيد، كأن الموت الذي ملأوا به الآفاق قد أضاع عنوانه.
ثم هتفوا بالموت لغاصبٍ معتدٍ، فإذا سفنه تمخر العباب في سكينة، لا يردّها وعيد ولا يقطع عليها سبيل. ثم انصرف حدُّ الخصومة إلى وجهةٍ أخرى، فصار العدوُّ البعيد يأمن، والقريبُ المسلم يتلقى نصيبه من الغضب.
وهنا لا تعود المسألة مجرد شعارٍ متناقض؛ بل تصبح سؤالًا عن حقيقة المعيار الذي تُقاس به الخصومة: أهو مبدأ ثابت لا يتغير بتغير الخصم، أم هو غضبٌ يتبدل اتجاهه بحسب المصلحة؟
فالذي يعلن أن خصومته مبدئية، مطالبٌ بأن يبرهن على ثبات المبدأ حين تتبدل الظروف. والذي يرفع راية العقيدة، لا يكفيه أن يصف خصومه بما يشاء؛ إذ إن صدق دعواه يظهر في القواعد التي يلتزم بها حين تكون كلفتها عليه أكبر من فائدتها السياسية. ثم رُفعت الراية العظيمة: النصر للإسلام. وهنا ينبغي للكلمة أن تستحيي من نفسها؛ فإن الإسلام أجلُّ من أن يكون طلاءً لسياسة، أو ستارًا لهوى، أو رايةً تُستباح تحتها حرمات المسلمين. فليس كل من انتصر في معركةٍ باسم الإسلام قد نصر الإسلام، وليس كل من أكثر من ذكر الدين قد أقام حكمه على الدين. إنما العبرة بأن تكون الوسيلة من جنس الغاية التي يدّعيها صاحبها؛ إذ لا يستقيم أن يُطلب العدل بالظلم، أو تُصان الكرامة بالإهانة، أو يُدافع عن حرمة الدين بانتهاك حرماتٍ جعلها الدين نفسه عظيمة.
ومن هنا يصبح الشعار مطالبًا بما هو أكبر من التصفيق له: يصبح مطالبًا بأن يحتمل الامتحان.
والقرآن لا يجعل صدق الدعوى بكثرة تردادها، بل يضع القول والفعل في ميزانٍ واحد:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
ثم تبلغ المفارقة غايتها حين تقترب المخاطر من مكة المكرمة. وهنا تسقط من الكلام حواشيه، ويقف المرء أمام حقيقةٍ لا تحتاج إلى كثير بيان. فهذه ليست مدينةً في خارطة، ولا حجرًا في خصومة؛ إنها البيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
وهنا تحديدًا لا يعود السؤال: من انتصر؟ ولا: من هُزم؟ ولا: من كان أكثر صراخًا؟
بل يصبح السؤال أسبق من ذلك كله:
ما الذي فعله الشعار حين اقترب الخطر من حرمة البيت؟
فإن كان المقصود نصرة الإسلام، فإن أول ما ينبغي أن يظهر في السلوك هو تعظيم ما عظّمه الإسلام. وإن كان المقصود حماية المسلمين، فإن أمن المسلمين ليس هامشًا يمكن التضحية به كلما تعارض مع حسابات الصراع. وإن كان المقصود الدفاع عن الحرمات، فإن الحرمات لا تُجزّأ بحسب هوية الخصم. وهنا تكمن قوة الحجة: ليست مكة بحاجة إلى أن تكون طرفًا في الصراع حتى تكشف تناقضه؛ يكفي أن تكون المعيار الذي تُختبر أمامه الشعارات.
فأيُّ معنى يبقى لرايةٍ تُرفع باسم الإسلام إذا كانت نتائجها تفضي إلى تعريض موضعٍ جعله الله أمنًا للخطر؟
وأيُّ معنى يبقى لدعوى نصرة المسلمين إذا كان المسلم هو الذي يتحمل بعض آثارها، بينما يأمن من وُصف بأنه العدو؟
إن السؤال هنا ليس عن النيات؛ فالنيات موضعها القلوب، ولا يملك البشر أن يفتشوا فيها. السؤال عن النتائج التي يمكن رؤيتها، والوسائل التي يمكن مساءلتها، والمعايير التي يُفترض أن تظل ثابتة مهما تبدلت التحالفات والخصومات. ولهذا فليس المطلوب من المرء أن يصدق كل شعار لأنه رُفع باسم الدين، بل أن يسأل: هل التزم صاحبه بما يقتضيه الدين حين تعارض ذلك مع مصلحته؟
فإذا كان الجواب بالنفي، فقد كشفت الممارسة شيئًا لم تستطع الخطب أن تخفيه.
ولا تنظروا إلى الرايات وهي تخفق في الهواء؛ انظروا إلى ظلّها حين يقع على الأرض. ولا تسألوا الصارخ: ماذا تقول؟ فقد قال كثيرًا. بل اسألوه: من الذي يأمن من بأسك؟ ومن الذي يخشاه؟ وأين استقر أثر قوتك حين انقضى صخب الهتاف؟
فهذه الأسئلة أبلغ من ألف بيان؛ لأنها تنقل الحكم من ميدان الدعوى إلى ميدان الأثر.
وقد يستطيع المرء أن يكسو السياسة ثوب العقيدة، لكنه يعجز أن يكسو نتائجها إلى الأبد.
ومن أخطر ما في الشعارات أنها تمنح صاحبها، أحيانًا، حصانةً لفظية؛ فإذا نُقد الفعل قيل: لا تنظروا إلى الفعل، انظروا إلى الغاية. وإذا نوقشت الغاية قيل: يكفي أن الراية إسلامية. وهكذا يتحول الشعار من عنوانٍ للمبدأ إلى وسيلةٍ لتعطيل مساءلة الممارسة.
لكن الدين لا يمنح الأسماء حصانةً من الأحكام.
فلا يصبح الفعل صالحًا لمجرد أن صاحبه سمّاه نصرة، ولا تصبح السياسة شرعيةً لمجرد أن رُفعت فوقها راية الدين. ولهذا فإن مكة، في هذا المشهد، ليست طرفًا في الخصومة؛ إنها ميزانها ومن أراد أن يتكلم باسم الدين، فليستحضر حرماته قبل شعاراته. ومن أراد أن يرفع راية الإسلام، فليعلم أن تعظيم الحرمات ليس تفصيلًا زائدًا في الدين، بل من تقوى القلوب: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. وهنا لا يبقى للشعار إلا أن يجيب عن السؤال الذي حاول طويلًا أن يؤجله:
هل كانت الحرمة مبدأً، أم كانت شعارًا؟
فإن كانت مبدأً، وجب أن تظهر حين تصبح المحافظة عليها مكلفة. وإن كانت شعارًا، فقد ظهرت حقيقتها حين اصطدمت بالواقع.
فإذا تعارضت الدعوى مع الفعل، فالفعل أصدق.
وإذا تناقض الشعار مع حرمة البيت، فالشعار هو الذي يُسأل، لا البيت. وحين تبلغ الصواريخ تخوم مكة، لا تسقط مكة من مقامها؛ وإنما تسقط أقنعةٌ كانت تتزيّن باسمها.
هناك، لا تحتاج الحقيقة إلى صرخة. يكفي أن تقف مكة... ويسكت ما عداها.
فالشعارات سهلة ما دامت معلّقة في الهواء، أما الحقيقة فتظهر حين تهبط الكلمات إلى الأرض، وتتحول المواقف إلى أفعال، والأفعال إلى آثارٍ تصيب الناس والأمكنة. هناك فقط يُعرف صدق الدعوى من بريقها، وثبات المبدأ من تقلب المصلحة. طالما ارتفعت حناجر تهتف بالموت على عدوٍّ وراء البحار، حتى خُيّل للسامع أن مراكبه ستُستقبل بالحديد والنار؛ فإذا جدّ الجد، أُمنت له المسالك، وانفسحت له البحار، ومضت سفنه في مأمنٍ من الوعيد، كأن الموت الذي ملأوا به الآفاق قد أضاع عنوانه.
ثم هتفوا بالموت لغاصبٍ معتدٍ، فإذا سفنه تمخر العباب في سكينة، لا يردّها وعيد ولا يقطع عليها سبيل. ثم انصرف حدُّ الخصومة إلى وجهةٍ أخرى، فصار العدوُّ البعيد يأمن، والقريبُ المسلم يتلقى نصيبه من الغضب.
وهنا لا تعود المسألة مجرد شعارٍ متناقض؛ بل تصبح سؤالًا عن حقيقة المعيار الذي تُقاس به الخصومة: أهو مبدأ ثابت لا يتغير بتغير الخصم، أم هو غضبٌ يتبدل اتجاهه بحسب المصلحة؟
فالذي يعلن أن خصومته مبدئية، مطالبٌ بأن يبرهن على ثبات المبدأ حين تتبدل الظروف. والذي يرفع راية العقيدة، لا يكفيه أن يصف خصومه بما يشاء؛ إذ إن صدق دعواه يظهر في القواعد التي يلتزم بها حين تكون كلفتها عليه أكبر من فائدتها السياسية. ثم رُفعت الراية العظيمة: النصر للإسلام. وهنا ينبغي للكلمة أن تستحيي من نفسها؛ فإن الإسلام أجلُّ من أن يكون طلاءً لسياسة، أو ستارًا لهوى، أو رايةً تُستباح تحتها حرمات المسلمين. فليس كل من انتصر في معركةٍ باسم الإسلام قد نصر الإسلام، وليس كل من أكثر من ذكر الدين قد أقام حكمه على الدين. إنما العبرة بأن تكون الوسيلة من جنس الغاية التي يدّعيها صاحبها؛ إذ لا يستقيم أن يُطلب العدل بالظلم، أو تُصان الكرامة بالإهانة، أو يُدافع عن حرمة الدين بانتهاك حرماتٍ جعلها الدين نفسه عظيمة.
ومن هنا يصبح الشعار مطالبًا بما هو أكبر من التصفيق له: يصبح مطالبًا بأن يحتمل الامتحان.
والقرآن لا يجعل صدق الدعوى بكثرة تردادها، بل يضع القول والفعل في ميزانٍ واحد:
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
ثم تبلغ المفارقة غايتها حين تقترب المخاطر من مكة المكرمة. وهنا تسقط من الكلام حواشيه، ويقف المرء أمام حقيقةٍ لا تحتاج إلى كثير بيان. فهذه ليست مدينةً في خارطة، ولا حجرًا في خصومة؛ إنها البيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا:
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
وهنا تحديدًا لا يعود السؤال: من انتصر؟ ولا: من هُزم؟ ولا: من كان أكثر صراخًا؟
بل يصبح السؤال أسبق من ذلك كله:
ما الذي فعله الشعار حين اقترب الخطر من حرمة البيت؟
فإن كان المقصود نصرة الإسلام، فإن أول ما ينبغي أن يظهر في السلوك هو تعظيم ما عظّمه الإسلام. وإن كان المقصود حماية المسلمين، فإن أمن المسلمين ليس هامشًا يمكن التضحية به كلما تعارض مع حسابات الصراع. وإن كان المقصود الدفاع عن الحرمات، فإن الحرمات لا تُجزّأ بحسب هوية الخصم. وهنا تكمن قوة الحجة: ليست مكة بحاجة إلى أن تكون طرفًا في الصراع حتى تكشف تناقضه؛ يكفي أن تكون المعيار الذي تُختبر أمامه الشعارات.
فأيُّ معنى يبقى لرايةٍ تُرفع باسم الإسلام إذا كانت نتائجها تفضي إلى تعريض موضعٍ جعله الله أمنًا للخطر؟
وأيُّ معنى يبقى لدعوى نصرة المسلمين إذا كان المسلم هو الذي يتحمل بعض آثارها، بينما يأمن من وُصف بأنه العدو؟
إن السؤال هنا ليس عن النيات؛ فالنيات موضعها القلوب، ولا يملك البشر أن يفتشوا فيها. السؤال عن النتائج التي يمكن رؤيتها، والوسائل التي يمكن مساءلتها، والمعايير التي يُفترض أن تظل ثابتة مهما تبدلت التحالفات والخصومات. ولهذا فليس المطلوب من المرء أن يصدق كل شعار لأنه رُفع باسم الدين، بل أن يسأل: هل التزم صاحبه بما يقتضيه الدين حين تعارض ذلك مع مصلحته؟
فإذا كان الجواب بالنفي، فقد كشفت الممارسة شيئًا لم تستطع الخطب أن تخفيه.
ولا تنظروا إلى الرايات وهي تخفق في الهواء؛ انظروا إلى ظلّها حين يقع على الأرض. ولا تسألوا الصارخ: ماذا تقول؟ فقد قال كثيرًا. بل اسألوه: من الذي يأمن من بأسك؟ ومن الذي يخشاه؟ وأين استقر أثر قوتك حين انقضى صخب الهتاف؟
فهذه الأسئلة أبلغ من ألف بيان؛ لأنها تنقل الحكم من ميدان الدعوى إلى ميدان الأثر.
وقد يستطيع المرء أن يكسو السياسة ثوب العقيدة، لكنه يعجز أن يكسو نتائجها إلى الأبد.
ومن أخطر ما في الشعارات أنها تمنح صاحبها، أحيانًا، حصانةً لفظية؛ فإذا نُقد الفعل قيل: لا تنظروا إلى الفعل، انظروا إلى الغاية. وإذا نوقشت الغاية قيل: يكفي أن الراية إسلامية. وهكذا يتحول الشعار من عنوانٍ للمبدأ إلى وسيلةٍ لتعطيل مساءلة الممارسة.
لكن الدين لا يمنح الأسماء حصانةً من الأحكام.
فلا يصبح الفعل صالحًا لمجرد أن صاحبه سمّاه نصرة، ولا تصبح السياسة شرعيةً لمجرد أن رُفعت فوقها راية الدين. ولهذا فإن مكة، في هذا المشهد، ليست طرفًا في الخصومة؛ إنها ميزانها ومن أراد أن يتكلم باسم الدين، فليستحضر حرماته قبل شعاراته. ومن أراد أن يرفع راية الإسلام، فليعلم أن تعظيم الحرمات ليس تفصيلًا زائدًا في الدين، بل من تقوى القلوب: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. وهنا لا يبقى للشعار إلا أن يجيب عن السؤال الذي حاول طويلًا أن يؤجله:
هل كانت الحرمة مبدأً، أم كانت شعارًا؟
فإن كانت مبدأً، وجب أن تظهر حين تصبح المحافظة عليها مكلفة. وإن كانت شعارًا، فقد ظهرت حقيقتها حين اصطدمت بالواقع.
فإذا تعارضت الدعوى مع الفعل، فالفعل أصدق.
وإذا تناقض الشعار مع حرمة البيت، فالشعار هو الذي يُسأل، لا البيت. وحين تبلغ الصواريخ تخوم مكة، لا تسقط مكة من مقامها؛ وإنما تسقط أقنعةٌ كانت تتزيّن باسمها.
هناك، لا تحتاج الحقيقة إلى صرخة. يكفي أن تقف مكة... ويسكت ما عداها.