محمد بن عبدالله آل شملان

في حياة كل منا لقطات تولد لتصبح تاريخاً، وصور عابرة تختزل في إطارها الصغير عمراً بأكمله من التضحية والبناء والعطاء الصامت. أقف أمام صورة ليست مجرد توثيق فوتوغرافي لحدث مدرسي قديم، بل نبض ذاكرة تفيض بالفخر والاعتزاز، وتتحرك في وجداني كقصيدة وفاء متجددة.

تختزل مشهداً مهيباً من مسيرة والدي الغالي، المعلم والمربي الفاضل عبدالله بن محمد مسعود، وهو يقف في أبهى صور العطاء الشامخ داخل فصله الدراسي، يمسك بزمام الحرف، ويغرس الكلمة الأولى في عقول غضة، ليصنع منها جيل الغد الذي سيسهم في بناء ورفعة هذا الوطن المعطاء.

تعود بنا تفاصيل هذه الذاكرة الخالدة إلى لحظة استثنائية من تاريخ الحركة التعليمية في محافظة وادي الدواسر، وتحديداً بمناسبة افتتاح مبنى مدرسة الأندلس الابتدائية عام 2004هـ؛ ذلك الصرح التربوي الجديد الذي شُيّد ليكون منارة تضيء دروب أبنائنا. في ذلك اليوم المشهود، لم يكن والدي يقدم درساً اعتيادياً عابراً على سبورته، بل كان يعطي نموذجاً حياً للموقف التعليمي الرصين، محاطاً بقامات ورجالات الدولة والتعليم الذين وفدوا ليشاركوا في الافتتاح، ويشهدوا على نتاج هذا الغرس المبارك.

كان في مقدمة الحضور وشهود هذا العطاء وكيل محافظة وادي الدواسر «سابقاً»عادي بن فالح البقمي، ومدير تعليم البنين سعود بن خلف الدوسري «رحمه الله بواسع رحمته وغفر له وأسكنه فسيح جناته»، ومدير تعليم البنات سالم بن محمد الدوسري، برفقة مدير مدرسة الأندلس الابتدائية مبارك بن محمد آل وديان.

وقوف هؤلاء المسؤولين والزوار بزيّهم الرسمي وهيبتهم الوقورة، يستمعون بإنصات وتقدير لشرح الوالد وتفاعل الطلاب الصغار، هو في حقيقته تجسيد حي وعميق للمكانة الرفيعة التي يحظى بها المعلم في مجتمعنا، واعتراف صريح من رجالات الدولة بأن ما يخطه المعلم بيمينه على ألواح الفصول هو حجر الأساس الحقيقي في جدار النهضة الوطنية الشاملة.

هذا المشهد التاريخي يعكس الرؤية الحكيمة والثابتة التي تسير عليها المملكة العربية السعودية ـ أعزها الله وأيد قيادتها ـ منذ عهد الملك موحد هذا الكيان وحتى هذا العهد الزاهر والميمون. فالمملكة لم تضع التعليم كقطاع خدمي فحسب، بل جعلته في قلب استراتيجيتها السيادية والتنموية، إيماناً بأن الاستثمار في الإنسان السعودي هو الاستثمار الأسمى والأنقى، وهو الثروة الحقيقية التي لا تنضب. ويتجلى هذا الدعم اللامحدود في الميزانيات الضخمة التي تخصص للقطاع، وفي تشييد أحدث المباني المدرسية المجهزة بأرقى وسائل التقنية، وتطوير المناهج التعليمية لتواكب العصر، والاهتمام بالنمو المهني للمعلمين والمعلمات عبر برامج التطوير والتدريب المستمرة. إن قيادتنا الرشيدة تدرك أن تمكّن المعلم واستقراره وتقدير مكانته الأدبية والمادية هي الركيزة الأساسية والمحرك الفعلي لتحقيق التطلعات الكبرى لرؤية المملكة 2030، والتي تنظر إلى المعلم بوصفه صانع الأجيال ومهندس العقول التنموية.

وتتزامن هذه الاستعادة الوجدانية مع اليوم العالمي للمعلم 2026، تلك المناسبة السنوية التي تفيض بالامتنان والتقدير لكل من حمل مشعل النور وبدد عتمة الجهل. وحين يستذكر العالم أجمع فضل المعلم، ينبض قلبي أنا بخصوصية فريدة وعاطفة جياشة لا يشعر بها إلا من كان المعلم في حياته أباً وقدوة، ومثلاً أعلى. لقد كنت صغيراً أراقب خطى والدي داخل المنزل وخارجه؛ يشدني صوته الرصين، ويأسرني حبه الصادق لطلابه وتفانيه الصبور في إيصال المعلومة، وتبهمني تلك الروح الوقورة وتلك المحبة والمهابة التي يحاط بها من المجتمع أجمع. تأثرت به إلى حد الشغف الشديد، وكبرت بين جدران البيئة التعليمية ولم يكن في عيني وقلبي حلم سوى أن أسير على دربه المبارك، وأن أقف الموقف ذاته، حاملاً القلم والطباشير اللذين كان والدي يصنع بهما الحياة.

قادني ذلك التأثر العميق، المسنود بقدوة الأب العظيم، إلى اتخاذ خيار العمر؛ فاخترت التعليم مهنة ورسالة وشرفاً. واليوم، وأنا أتأمل مسيرتي الشخصية في ميدان التربية، وقد بلغت بحمد الله وفضله 28 عاماً من الخدمة المستمرة في التعليم تحت راية هذا الوطن المعطاء، أجد نفسي أقف ممتلئاً بالاعتزاز على امتداد ذلك الإرث الإنساني العظيم الذي تركه والدي. ثمانية وعشرون عاماً مضت، مرت كأنها شريط من العطاء المتواصل، أستحضر فيها وجه والدي في كل صباح ألج فيه إلى الفصل الدراسي، وأستلهم من صورته القديمة في مدرسة الأندلس معاني الصبر والأمانة والإخلاص، مستنداً إلى بيئة تنظيمية ومجتمعية داخل المملكة تُعلي من شأننا كمعلمين وتدفعنا نحو التميز والتألق.

أدرك اليوم، وأنا أعيش تفاصيل هذه المهنة العظيمة لعقود، حجم التضحية ونبل الرسالة والثقل الذي كان يحمله والدي على عاتقه، وأشعر بفخر لا تسعه الكلمات ولا تحويه السطور لأنني امتداد بر لرسالته النبيلة، وغصن يافع في تلك الشجرة الطيبة التي غرس جذورها بجهده وعرقه وإخلاصه.

رحم الله من غادر دنيانا من تلك القامات، وحفظ الله الأحياء منهم ومتعهم بالصحة والعافية، وبوركت تلك السواعد الحكيمة التي خططت وبنت، والقلوب المخلصة التي ربّت ووجّهت، ودام عز مملكتنا الغالية منارةً للعلم والعلماء شامخة أبد الدهر.

ستبقى يا والدي الغالي معلمي الأول، وقدوتي الأجمل، ونبراسي الذي لا ينطفئ، وسأظل أحمل أمانة التعليم التي تسلمتها من روحك المعطاءة بكل شرف وإخلاص واعتزاز ما حييت.