ماجد الجريوي

لم نعد نكتفي بأن نرى نجاح الآخرين، أصبحنا نريد أن نعرف لماذا نجحوا، وكم دفعوا، ومن أوصلهم، ومن يقف خلفهم، وهل يستحقون أصلًا ما وصلوا إليه. أصبح إعلان تعيين موظف جديد كافيًا لفتح محكمة شعبية تحت المنشور. يهنئ البعض، بينما يبدأ آخرون التحقيق: ما مهامه؟ ما مؤهلاته؟ من واسطته؟ لماذا هو؟ ومن أين جاء بهذا المنصب؟ وكأن كل ترقية لا بد أن تكون على حساب شخص آخر، وكل راتب مرتفع لا بد أن يكون سرقة، وكل نجاح لا بد أن يكون وراءه باب خلفي.

المشهد يتكرر بصورة أكثر وضوحًا مع اللاعبين. لاعب يضيع فرصة، فتتحول الكرة الضائعة إلى راتبه. لاعب يخطئ في مباراة، فيصبح السؤال: يأخذ ملايين ويسوي كذا؟ وكأن قيمة الإنسان المهنية لا تقاس إلا بعدد الأصفار في راتبه، وكأن من يحصل على مقابل مرتفع فقد حقه في الخطأ.

حتى السيارات لم تسلم. ترى سيارة فاخرة في الشارع، فيأتي السؤال: «من وين له؟». بيت جميل في أحد الأحياء؟ «إيه الله لنا». شخص سافر، ترقى، اشترى، نجح، أو بدأ مشروعًا وغيرها، لا بد أن يظهر من يبحث عن الثغرة التي يمكن أن يُدخل منها نجاحه إلى دائرة الشك. المخيف أن الأمر لم يعد مجرد حسد صامت. نحن أمام حسد أصبح له صوت، وحساب، وتعليق، ومنصة، وأحيانًا آلاف الإعجابات. صرنا، مع كل خبر عن نجاح أحدهم، نشبه ضباعًا جائعة تتجمع حول الفريسة لا يهمها ما الذي أكله، ولا كيف وصل، ولا كم تعب، بل يكفي أن ترى شيئًا لا تملكه حتى تبدأ في تمزيقه بالكلمات. المشكلة ليست أن الإنسان يتمنى أن يصل إلى ما وصل إليه غيره. هذا طموح طبيعي. المشكلة حين يتحول الطموح إلى رغبة في إسقاط الآخر، وحين يصبح نجاحه إهانة شخصية لنا.

هناك فرق كبير بين أن تقول: أتمنى أن أصل إلى ما وصل إليه، وبين أن تقول: هو لا يستحق ما وصل إليه، الأولى رغبة في الارتقاء، والثانية محاولة لإنزال الآخر حتى نشعر أننا لسنا خلفه.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أننا بدأنا نخلط بين النقد والحسد. النقد يسأل عن أداء، قرار، أو نتيجة ويستند إلى وقائع. أما الحسد فلا يحتاج إلى دليل؛ يكفيه أن ترى نعمة عند غيرك حتى يبدأ عقلك في اختراع قصة تفسر لماذا لا يستحقها.

وهكذا أصبحنا نراقب أرزاق الناس أكثر مما نراقب أنفسنا. نعرف رواتب اللاعبين، وسيارات الناس، ومناصب الموظفين، وأماكن سفرهم، وأحجام بيوتهم لكننا لا نعرف شيئًا عن الساعات التي قضوها بعيدًا عن أعيننا، والفرص التي انتظروها، والفشل الذي مروا به، والجهد الذي أوصلهم إلى ما نراه اليوم. وربما نحن بحاجة إلى أن نتعلم من جديد أبسط قواعد الحياة: ليس كل ما عند الآخرين كان يجب أن يكون لنا.

رزقك لا يتأخر لأن غيرك تقدم. ونجاح شخص آخر لا يعني أنك فشلت. وترقية زميلك لا تنتقص من قيمتك. وراتب لاعب لا يأخذ من راتبك شيئًا. وسيارة جارك لا تنقص من سيارتك. وبيت شخص آخر لا يصغر بيتك. ربما المشكلة الحقيقية ليست في أن الآخرين يملكون أكثر منا، بل في أننا أصبحنا نعتقد أن ما يملكه الآخرون هو مرآة لما ينقصنا. ولهذا، ربما آن لنا أن نتوقف قليلًا عن السؤال لماذا هو؟ ونبدأ بالسؤال الأهم ماذا أفعل أنا لأكون حيث أريد أن أكون؟