أبها: حسين معشي

في تعز لا تبدو الحرب مجرد خطوط تماس تتحرك على الخرائط، بل معركة على مدينة ظلت طوال سنوات الصراع اليمني معلقة بين الجغرافيا والسياسة. فكلما تغير ميزان القوى في اليمن، عادت تعز إلى الواجهة، بوصفها عقدة تربط الشمال بالجنوب، والمرتفعات بالساحل الغربي، فيما يدفع سكانها ثمن موقع جعلها واحدة من أكثر ساحات الحرب حساسية وتعقيدا.

ومع مطلع أكتوبر، عادت الجبهات المحيطة بالمدينة للاشتعال بصورة واسعة، وسط هجمات حوثية على محاور عدة، قابلتها القوات الحكومية بعمليات برية وضربات جوية مكثفة. وفي الثاني من أكتوبر، قالت القوات الحكومية إنها نفذت 20 غارة خلال ثلاث ساعات على مواقع وتحركات وآليات للحوثيين في المحافظة، في تصعيد هو الأكبر منذ فترة الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022.

عقدة الجغرافيا

تكمن أهمية تعز في أنها ليست جبهة منفصلة عن بقية الحرب. فالسيطرة على طرقها ومرتفعاتها تعني التأثير في خطوط الحركة بين شمال اليمن وجنوبه، والاقتراب من الساحل الغربي وباب المندب. ولهذا تتركز المواجهات حاليا في نطاق واسع يمتد من جبل هان وبني بكاري غربا إلى الجبهات الشمالية والشرقية، وصولا إلى سامع والأقروض جنوبا.

جبهة مفتوحة

وتكشف كثافة الهجمات أن المعركة تجاوزت عمليات جس النبض التقليدية. فقد دفعت جماعة الحوثي بتشكيلات قتالية إلى عدة محاور، بينما تقول القوات الحكومية إنها تصدت لمحاولات تقدم واختراق متزامنة. وأعلن الجيش، السبت، تنفيذ 71 عملية استهداف ضد تجمعات وتعزيزات حوثية في مناطق متفرقة من تعز.

ثمن المدينة

لكن خلف خرائط العمليات تبقى مدينة مكتظة بالسكان عالقة داخل حسابات عسكرية أكبر منها. وأدى التصعيد اليمني الأخير إلى نزوح عشرات الآلاف، فيما حذر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة للحكومة.

وهكذا تعود تعز مرة أخرى إلى قلب الحرب: مدينة يصعب تجاوزها عسكريا، ويصعب حسمها سياسيا، وكلما حاولت الأطراف تغيير ميزان اليمن، اشتعلت جبالها وطرقها من جديد.