نوال محمد الموسى

لا يوجد إنسان بلا ضغوط، فقد تختلف مصادرها من شخص إلى آخر؛ حيث هناك من يحمل ضغط العمل، ومن يعيش صراعًا في علاقاته، ومن يقلقه المستقبل، ومن أثقلته المسؤوليات، ومن يواجه فقدًا أو مرضًا أو أزمة مالية أو شعورًا بالوحدة. لكننا جميعًا، وإن كان بدرجات متفاوتة، نعرف معنى أن نشعر بأن الحياة أصبحت أثقل مما نحتمل.

الاختلاف الحقيقي بين الناس ليس في وجود الضغوط، بل في الطريقة التي يحاول كل إنسان من خلالها أن يخفف من ضغطه، فالإنسان عندما يتألم يبحث بصورة طبيعية عن الراحة. والسؤال هنا ليس: هل سنبحث عن الراحة؟ بل: أين سنبحث عنها؟

هناك راحة تعالجنا... وراحة تؤجل ألمنا، ويمكن أن نفهم الكثير من سلوكياتنا النفسية من خلال فكرة بسيطة وهي أن الطرق المؤلمة في البداية، تكون مريحة في النهاية.

أما الطرق المريحة في البداية، قد تكون نهاياتها مؤلمة.

عندما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي ويقرر أن يخرج للمشي رغم أنه لا يرغب في ذلك، فقد يحتاج إلى مقاومة ثقل داخلي في البداية، لكنه غالبًا سيعود أكثر هدوءًا، وعندما يقرر ممارسة الرياضة أو السباحة، أو الكتابة عما يشعر به، أو التحدث مع شخص يثق به، أو يواجه المشكلة التي كان يؤجلها، فقد لا يشعر بالراحة الفورية، لكنه تعامل مع ضغطه بطريقة لا تضيف إلى حياته مشكلة جديدة.

هذه هي إحدى خصائص المواجهة الصحية للضغوط، فقد تتطلب جهدًا وانضباطًا وتحملًا لبعض الانزعاج في البداية، لكن أثرها على المدى البعيد أكثر أمانًا وفائدة.

من أمثلتها:

المشي، السباحة، الرياضة، الكتابة، التنفس والاسترخاء، ممارسة الهوايات، التواصل الاجتماعي الصحي، الحصول على قدر كافٍ من النوم، تنظيم الوقت، حل المشكلات، وضع الحدود في العلاقات، التعبير عن المشاعر بطريقة مناسبة، وطلب المساعدة النفسية المتخصصة عندما تصبح الضغوط أكبر من قدرة الإنسان على التعامل معها بمفرده.

من ناحية اخرى عندما يبحث الإنسان عن أسرع مسكن لمشاكله فهو لا يبحث دائمًا عن الحل الأفضل، بل قد يبحث عن الحل الأسرع ليوقف بها الألم، ومن هنا تبدأ بعض أساليب المواجهة غير الصحية مثلًا يغضب فيصرخ، وبعد نوبة الغضب يشعر للحظات أنه أفرغ ما بداخله، يشعل سيجارة عندما يتوتر، فيربط دماغه تدريجيًا بين الضغط والتدخين، يأكل دون جوع حقيقي، ليس لأن جسده يحتاج إلى الطعام، وإنما لأن نفسه تحتاج إلى التهدئة، يتسوق عندما يحزن، أو يقضي ساعات طويلة أمام الهاتف، أو ينام هربًا من التفكير، أو ينسحب من الآخرين بدلًا من مواجهة المشكلة.

يهرب بعض الأشخاص إلى العلاقات العاطفية، فكلما شعر أحدهم بالفراغ أو الوحدة أو الضغط، احتاج إلى شخص جديد يمنحه مشاعر الاهتمام والشغف والانشغال. وقد يصبح الوقوع المتكرر في الحب، أو التعلق الشديد بالآخر، أو الانتقال من علاقة إلى أخرى، وسيلة للهروب من المشاعر الداخلية. ويُشار أحيانًا إلى بعض هذه الأنماط بمصطلحات مثل التعلق القهري أو «إدمان الحب».

والحب في ذاته ليس مشكلة بالطبع، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح وجود الآخر هو الوسيلة الأساسية التي يستطيع الإنسان من خلالها تحمل نفسه ومشاعره.

يكرر الإنسان سلوكيات قد تؤذيه لأنها نجحت حتى لو كان النجاح لفترة قصيرة، وهذه نقطة مهمة في فهم السلوك الإنساني، فالسلوك غير الصحي لا يستمر عادة لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما لأنه فعل شيئًا سريعًا: خفف التوتر، أو شتت الحزن، أو ملأ الفراغ، أو منح شعورًا مؤقتًا بالمتعة أو السيطرة، ولكن بعد انتهاء تأثيره تعود المشكلة الأصلية، وقد تنضم إليها مشكلة جديدة.

فنوبة الغضب تنتهي، لكن الكلمات التي قيلت خلالها قد تبقى في ذاكرة الأبناء أو الزوج أو الصديق، والتسوق ينتهي، لكن الالتزامات المالية تبقى، والأكل الانفعالي ينتهي، لكن الشعور بالذنب قد يبدأ، والتدخين يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه قد يتحول إلى اعتماد ويترك آثارًا صحية خطيرة، والعلاقة التي دخلناها هربًا من الوحدة قد تتحول إلى تعلق وخوف وفقدان للحدود، وربما إلى ألم أكبر عندما تنتهي، وهكذا ندخل في دائرة: ضغط نفسي، سلوك مريح سريعًا، راحة مؤقتة، نتائج سلبية، ضغط جديد، عودة إلى السلوك نفسه، ومع تكرار هذه الدائرة قد تظهر آثار متعددة؛ كزيادة القلق والتوتر، والشعور بالذنب والندم، وانخفاض تقدير الذات، واضطرابات النوم، والمشكلات الصحية، والخلافات الأسرية والاجتماعية، والخسائر المالية، وضعف القدرة على تحمل المشاعر، وفي بعض الحالات الاعتماد أو الإدمان.

عندما نحاول تقييم الطريقة التي نتعامل بها مع ضغوطنا، ربما لا يكفي أن نسأل هل هذا الشيء يريحني؟ لأن كثيرًا من الأشياء المؤذية تريحنا مؤقتًا. إن السؤال الأهم هو: ماذا تفعل بي هذه الراحة بعد أن تنتهي؟ هل تجعلني أكثر قدرة على مواجهة حياتي؟ أم تجعلني بحاجة إليها في كل مرة أشعر فيها بالحزن أو الغضب أو الوحدة؟ هل تحل المشكلة؟ أم تؤجلها؟ هل تحافظ على صحتي وعلاقاتي واحترامي لنفسي؟ أم تمنحني دقائق من الراحة ثم تترك لي ساعات أو أيامًا من الندم؟

الألم ليس دائمًا علامة على أن الطريق خطأ نحن بطبيعتنا نبتعد عن الأشياء التي تسبب لنا الانزعاج، لكن بعض الانزعاج جزء من التعافي والنمو، قد يكون من الصعب أن تمشي وأنت مرهق، وقد يكون من المؤلم أن تكتب عن مشاعر حاولت طويلًا تجاهلها، وقد يكون من الصعب أن تقول «لا» لشخص اعتدت إرضاءه، وقد يكون الاعتراف بأن علاقة ما تؤذيك أصعب من الاستمرار فيها، وقد تكون مواجهة المشكلة أكثر إيلامًا في البداية من الهروب منها، ولكن هناك فرقًا كبيرًا بين ألم المواجهة وألم الهروب.

ألم المواجهة غالبًا يقودنا نحو الحل، بينما الهروب قد يمنحنا هدوءًا مؤقتًا ثم يعيدنا إلى النقطة نفسها، لذلك من المهم أن تعلّم تحمل المشاعر بدلًا من تخديرها، فالصحة النفسية لا تعني أن نكون سعداء طوال الوقت، ولا أن نتخلص من كل مشاعر الحزن والغضب والخوف. إنها تتضمن أن نمتلك قدرة أفضل على تحمل المشاعر وتنظيمها والتعبير عنها دون أن نؤذي أنفسنا أو الآخرين. أن أستطيع أن أحزن دون أن أدمر نفسي. أن أغضب دون أن أجرح من أحب. أن أشعر بالوحدة دون أن أقبل بأي علاقة فقط لأهرب منها. أن أشعر بالضغط دون أن أحتاج في كل مرة إلى سيجارة أو طعام أو شراء أو سلوك اندفاعي كي أهدأ.

كلما تعلم الإنسان طرقًا صحية أكثر لتنظيم مشاعره، قل احتياجه إلى المسكنات النفسية المؤقتة. فالضغوط لن تختفي من حياتنا تمامًا، لكننا نستطيع أن نغير علاقتنا بها وطريقة استجابتنا لها. وفي كل مرة نكون فيها أمام اختيار بين سلوك صحي متعب وسلوك غير صحي يمنحنا راحة سريعة، لنتذكر: هناك ألم ندفعه اليوم كي نرتاح غدًا، وهناك راحة نأخذها اليوم وندفع ثمنها ألمًا غدًا. وقبل أن تبحث عن أسرع شيء يريحك من ضغطك، اسأل نفسك:

هل هذه الراحة تساعدني على التعافي... أم أنها مجرد مسكن ينتهي مفعوله لتبقى المشكلة، وربما تصبح أكبر.