هناك مدن نزورها، ومدن نسكنها، ومدن تسكن فينا وإن لم نسكنها يومًا. والمدينة المنورة من الأخيرة؛ ليست مجرد نقطة على الخريطة، ولا فصلًا محفوظًا في كتب السيرة، بل مكان ارتبط في الوجدان الإسلامي بمعنى الأمان بعد الخوف، والمؤاخاة بعد الغربة، والسكينة بعد الأذى.
لذلك، حين أعادت أحداث الأيام الماضية أخبار الصواريخ ومساراتها في سماء المنطقة إلى الواجهة، واقترب القلق في أحاديث الناس من اسم المدينة المنورة، بدا السؤال أكبر من السياسة، وأبعد من هوية الأطراف: ماذا يعني أن يقترب الخوف من مدينة قامت قصتها، في جانب كبير منها، على منح الخائف مأوى؟
ولفهم المدينة، ربما علينا أن نعود إلى ما قبلها.
قبل الهجرة بسنوات، مر رسول الله ﷺ بواحدة من أشد مراحل سيرته الإنسانية. توفيت زوجته خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، أول من آمن به، والتي صدقته حين كذبه الناس، وواسته وآزرته في بدايات الدعوة. وفي الفترة نفسها تقريبًا توفي عمه أبو طالب، الذي مثّل له حماية مهمة في مجتمع كانت فيه القبيلة سياجًا للإنسان.
اشتهرت تلك المرحلة في كتب السيرة بـ«عام الحزن»، ويرجح أنها كانت في السنة العاشرة من البعثة، قرابة عام 619 للميلاد.
كان فقدًا شخصيًا، لكنه كان أيضًا تغيرًا عمليًا في شبكة الحماية المحيطة به.
وهنا تصبح السيرة، من دون أن نجردها من قدسيتها، شديدة الإنسانية والقرب منا. فرسول الله ﷺ خير البشر، ولكنه بشر أيضًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]. عرف الفقد والأذى والرفض، كما عرف النصر والتمكين.
وبعد اشتداد الأمر في مكة، خرج إلى الطائف يلتمس قبولًا ونصرة لدعوته. لكنه لم يجد ما كان يرجوه، وتروي كتب السيرة ما تعرض له هناك من أذى حتى أُدميت قدماه الشريفتان.
وترتبط بتلك الرحلة رواية مشهورة في كتب السيرة لدعائه ﷺ: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس... إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي...».
دعاء يحمل، قبل كل شيء، لحظة إنسانية عميقة: أن يبلغ الإنسان أقصى ضعفه، ثم لا يجعل ضعفه نهاية علاقته بالرجاء.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة أخرى من السيرة؛ الإسراء والمعراج قبل الهجرة، مع اختلاف أهل السيرة في تحديد تاريخه الدقيق، ثم بدأت جهة أخرى تفتح أبوابها للدعوة.
لم تكن إمبراطورية، ولا جيشًا، ولا أغنى مدن الجزيرة. كانت يثرب.
بدأت الصلة برجال من أهلها، ثم جاءت بيعتا العقبة، ثم أُذن للمسلمين بالهجرة. وفي عام 622 للميلاد هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، في الحدث الذي أصبح لاحقًا نقطة ابتداء التقويم الهجري.
لكن أعظم ما في الهجرة ربما لم يكن الرحيل، بل الاستقبال.
فالقرآن لم يخلد الأنصار بوصفهم أهل مدينة فحسب، وإنما خلد أخلاق استقبالهم للآخر:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
تأمل ترتيب الكلمات: «الدار والإيمان».
المكان والقيمة في عبارة واحدة.
ثم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾.
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من تطور نظريات الهجرة والاندماج والتماسك الاجتماعي، تبدو العبارة شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في الوقت نفسه. فالاستقبال شيء، والتعايش شيء، أما أن تحب من هاجر إليك فدرجة أخرى من العلاقة بالآخر.
ثم يقول القرآن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
لم يمنح الأنصار المهاجرين فائضهم فقط؛ كانت قيمة الإيثار تحديدًا في العطاء مع وجود الحاجة.
وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فتحولت الهجرة من انتقال بين مكانين إلى بناء مجتمع. ولم يكن الوفاء للأنصار هامشًا في قصة المدينة، حتى قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
ربما اكتسبت المدينة جانبًا من عظمتها، إذن، لا بما احتفظ به أهلها لأنفسهم، بل بما أفسحوه للآخر.
وهنا نفهم الدعاء.
كان رسول الله ﷺ يحب مكة، فهي بلده، وفيها البيت الحرام، ومنها خرج. لكنه دعا، كما ثبت في الصحيحين: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».
وفي الدعاء معنى يتجاوز الزمان. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى محو مكان من قلبه حتى يجد مكانًا لمكان آخر. وقد خرج الرسول ﷺ من مكة التي أحبها، ثم دعا أن يحبب الله إليه المدينة.
واستجاب الله، فأصبحت المدينة دار الهجرة، وموطن الأنصار، ومقر المجتمع الإسلامي الناشئ، والمكان الذي سيعيش فيه رسول الله ﷺ بقية حياته.
وجعل ﷺ لها حرمة، فقال في الحديث المتفق عليه: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها».
لكن الصورة الأشد شاعرية ربما جاءت في حديث آخر صحيح:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». ومعنى «يأرز» أنه ينضم ويرجع ويجتمع.
إنها صورة مدهشة في بساطتها: الإيمان يعود إلى المدينة كما يعود الكائن إلى مأواه.
ولعل ذلك يفسر شيئًا لا تقيسه الأرقام بسهولة: لماذا يشعر كثير من الناس براحة خاصة عندما يدخلون المدينة؟ لا نحتاج إلى تحويل الشعور إلى ادعاء علمي، ولا إلى المفاضلة بينها وبين مكة المكرمة، قبلة المسلمين وأقدس بقاع الإسلام. يكفي أن نتذكر أن أجيالًا من المسلمين دخلوا المدينة وهم يحملون معهم ذاكرة دعاء الرسول ﷺ لها، وحبه لها، وسيرته في طرقاتها، ومسجده الشريف.
فالإنسان لا يختبر المكان بحواسه وحدها؛ يختبره أيضًا بالمعنى الذي يحمله إليه.
وهنا تصبح قصة المدينة، مع خصوصيتها الإسلامية، قادرة على مخاطبة الإنسان خارج حدود الجغرافيا والدين أيضًا.
فكل حضارة لديها أماكن تحمل ذاكرتها: مسجد وكنيسة وكنيس ومعبد، مكتبة ومقبرة ومدرسة ومستشفى، وربما بيت صغير لا يعني شيئًا للعالم، لكنه يعني لعائلة ما عالمها كله.
ولهذا حاول القانون الدولي الحديث أن يضع حدودًا لما تستطيع الحرب أن تفعله. فالقانون الدولي الإنساني يقوم، من بين مبادئه الأساسية، على التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، كما وضعت اتفاقية لاهاي لعام 1954 إطارًا دوليًا لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.
بعد قرون من الحروب، احتاج الإنسان إلى أن يكتب في المواثيق ما عرفه الضمير منذ زمن: ليست القدرة على الوصول إذنًا بالوصول.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحضر عندما تقترب أخبار الحرب من أسماء الأماكن المقدسة.
لا نحتاج إلى اتهام شعب أو دولة أو دين، ولا إلى تحويل المدينة إلى أداة في خصومة سياسية. بل لعل قداسة المدينة تفرض علينا العكس تمامًا: أن نطلب للآخر ما نطلبه لأنفسنا.
فإذا أردنا ألا يخاف الإنسان في المدينة، فعلينا أن نفهم خوف الإنسان في كل مدينة.
وإذا كانت للمقدسات حرمة، فإن للإنسان حرمة أيضًا.
لقد تعلم الإنسان عبر القرون كيف يصل أبعد، وأسرع، وبدقة أكبر. اختصر المسافات، واخترق السماء، ورأى الأرض من خارجها، وصنع من الأدوات ما يستطيع أن يبلغ به مكانًا لم تطأه قدماه قط.
لكن الحضارة لا تقاس دائمًا بما نستطيع الوصول إليه؛ أحيانًا تقاس بما نملك القوة للوصول إليه، ثم نختار أن نتركه آمنًا.
قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وصل إلى يثرب رجل خرج من أحب البلاد إليه، بعد أن عرف الفقد والرفض والأذى. لم يكن يحمل معه وطنه، ففتح له الأنصار أبواب وطنهم. لم يطلبوا منه أن ينسى مكة كي يحب مدينتهم؛ آووه، وآخوا أصحابه، حتى دعا ﷺ: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».
وربما هنا يكمن سر المدينة الذي لا تستطيع الأرقام وحدها تفسيره.
لم تصبح عزيزة لأن الحزن لم يعرف طريقه إليها، بل لأنها عرفت كيف تجعل من الخوف أمنًا، ومن الهجرة مؤاخاة، ومن المكان دارًا، ومن استقبال الإنسان للإنسان إيمانًا.
لذلك، عندما يمر الخوف قريبًا من اسمها، لا يقلق المسلم على حجر وحده. يقلق على مكان سار فيه رسول الله ﷺ، وعلى مدينة أحبها ودعا لها، وعلى ذاكرة الأنصار الذين علموا العالم، قبل أن توجد مواثيق اللجوء وقوانين الحماية، أن الإنسان يستطيع أن يفسح لإنسان آخر مكانًا في داره، وقوت يومه، وقلبه.
قد تتغير أسماء الحروب وأدواتها، وقد يصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى كل بقعة على هذه الأرض. لكن لعل أعظم ما يستطيع الإنسان فعله بقوته، في النهاية، ليس أن يصل.
بل أن يعرف أين يتوقف.
وتبقى تلك التي كانت يومًا يثرب، والتي استقبلت رجلًا خرج من وطنه مثقلًا بالفقد، المدينة التي أحبها ودعا لها رسول الله ﷺ، كما وصفها:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».
كأن الإيمان، مهما ابتعد الإنسان، ومهما اضطرب العالم من حوله، يعرف طريقه إلى مأواه.
وتبقى المدينة.. مأرز الإيمان
لذلك، حين أعادت أحداث الأيام الماضية أخبار الصواريخ ومساراتها في سماء المنطقة إلى الواجهة، واقترب القلق في أحاديث الناس من اسم المدينة المنورة، بدا السؤال أكبر من السياسة، وأبعد من هوية الأطراف: ماذا يعني أن يقترب الخوف من مدينة قامت قصتها، في جانب كبير منها، على منح الخائف مأوى؟
ولفهم المدينة، ربما علينا أن نعود إلى ما قبلها.
قبل الهجرة بسنوات، مر رسول الله ﷺ بواحدة من أشد مراحل سيرته الإنسانية. توفيت زوجته خديجة بنت خويلد، رضي الله عنها، أول من آمن به، والتي صدقته حين كذبه الناس، وواسته وآزرته في بدايات الدعوة. وفي الفترة نفسها تقريبًا توفي عمه أبو طالب، الذي مثّل له حماية مهمة في مجتمع كانت فيه القبيلة سياجًا للإنسان.
اشتهرت تلك المرحلة في كتب السيرة بـ«عام الحزن»، ويرجح أنها كانت في السنة العاشرة من البعثة، قرابة عام 619 للميلاد.
كان فقدًا شخصيًا، لكنه كان أيضًا تغيرًا عمليًا في شبكة الحماية المحيطة به.
وهنا تصبح السيرة، من دون أن نجردها من قدسيتها، شديدة الإنسانية والقرب منا. فرسول الله ﷺ خير البشر، ولكنه بشر أيضًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]. عرف الفقد والأذى والرفض، كما عرف النصر والتمكين.
وبعد اشتداد الأمر في مكة، خرج إلى الطائف يلتمس قبولًا ونصرة لدعوته. لكنه لم يجد ما كان يرجوه، وتروي كتب السيرة ما تعرض له هناك من أذى حتى أُدميت قدماه الشريفتان.
وترتبط بتلك الرحلة رواية مشهورة في كتب السيرة لدعائه ﷺ: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس... إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي...».
دعاء يحمل، قبل كل شيء، لحظة إنسانية عميقة: أن يبلغ الإنسان أقصى ضعفه، ثم لا يجعل ضعفه نهاية علاقته بالرجاء.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة أخرى من السيرة؛ الإسراء والمعراج قبل الهجرة، مع اختلاف أهل السيرة في تحديد تاريخه الدقيق، ثم بدأت جهة أخرى تفتح أبوابها للدعوة.
لم تكن إمبراطورية، ولا جيشًا، ولا أغنى مدن الجزيرة. كانت يثرب.
بدأت الصلة برجال من أهلها، ثم جاءت بيعتا العقبة، ثم أُذن للمسلمين بالهجرة. وفي عام 622 للميلاد هاجر رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة، في الحدث الذي أصبح لاحقًا نقطة ابتداء التقويم الهجري.
لكن أعظم ما في الهجرة ربما لم يكن الرحيل، بل الاستقبال.
فالقرآن لم يخلد الأنصار بوصفهم أهل مدينة فحسب، وإنما خلد أخلاق استقبالهم للآخر:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].
تأمل ترتيب الكلمات: «الدار والإيمان».
المكان والقيمة في عبارة واحدة.
ثم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾.
بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا من تطور نظريات الهجرة والاندماج والتماسك الاجتماعي، تبدو العبارة شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في الوقت نفسه. فالاستقبال شيء، والتعايش شيء، أما أن تحب من هاجر إليك فدرجة أخرى من العلاقة بالآخر.
ثم يقول القرآن: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
لم يمنح الأنصار المهاجرين فائضهم فقط؛ كانت قيمة الإيثار تحديدًا في العطاء مع وجود الحاجة.
وآخى رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار، فتحولت الهجرة من انتقال بين مكانين إلى بناء مجتمع. ولم يكن الوفاء للأنصار هامشًا في قصة المدينة، حتى قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه: «آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار».
ربما اكتسبت المدينة جانبًا من عظمتها، إذن، لا بما احتفظ به أهلها لأنفسهم، بل بما أفسحوه للآخر.
وهنا نفهم الدعاء.
كان رسول الله ﷺ يحب مكة، فهي بلده، وفيها البيت الحرام، ومنها خرج. لكنه دعا، كما ثبت في الصحيحين: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».
وفي الدعاء معنى يتجاوز الزمان. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى محو مكان من قلبه حتى يجد مكانًا لمكان آخر. وقد خرج الرسول ﷺ من مكة التي أحبها، ثم دعا أن يحبب الله إليه المدينة.
واستجاب الله، فأصبحت المدينة دار الهجرة، وموطن الأنصار، ومقر المجتمع الإسلامي الناشئ، والمكان الذي سيعيش فيه رسول الله ﷺ بقية حياته.
وجعل ﷺ لها حرمة، فقال في الحديث المتفق عليه: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها».
لكن الصورة الأشد شاعرية ربما جاءت في حديث آخر صحيح:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». ومعنى «يأرز» أنه ينضم ويرجع ويجتمع.
إنها صورة مدهشة في بساطتها: الإيمان يعود إلى المدينة كما يعود الكائن إلى مأواه.
ولعل ذلك يفسر شيئًا لا تقيسه الأرقام بسهولة: لماذا يشعر كثير من الناس براحة خاصة عندما يدخلون المدينة؟ لا نحتاج إلى تحويل الشعور إلى ادعاء علمي، ولا إلى المفاضلة بينها وبين مكة المكرمة، قبلة المسلمين وأقدس بقاع الإسلام. يكفي أن نتذكر أن أجيالًا من المسلمين دخلوا المدينة وهم يحملون معهم ذاكرة دعاء الرسول ﷺ لها، وحبه لها، وسيرته في طرقاتها، ومسجده الشريف.
فالإنسان لا يختبر المكان بحواسه وحدها؛ يختبره أيضًا بالمعنى الذي يحمله إليه.
وهنا تصبح قصة المدينة، مع خصوصيتها الإسلامية، قادرة على مخاطبة الإنسان خارج حدود الجغرافيا والدين أيضًا.
فكل حضارة لديها أماكن تحمل ذاكرتها: مسجد وكنيسة وكنيس ومعبد، مكتبة ومقبرة ومدرسة ومستشفى، وربما بيت صغير لا يعني شيئًا للعالم، لكنه يعني لعائلة ما عالمها كله.
ولهذا حاول القانون الدولي الحديث أن يضع حدودًا لما تستطيع الحرب أن تفعله. فالقانون الدولي الإنساني يقوم، من بين مبادئه الأساسية، على التمييز بين المدنيين والأهداف العسكرية، كما وضعت اتفاقية لاهاي لعام 1954 إطارًا دوليًا لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح.
بعد قرون من الحروب، احتاج الإنسان إلى أن يكتب في المواثيق ما عرفه الضمير منذ زمن: ليست القدرة على الوصول إذنًا بالوصول.
وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحضر عندما تقترب أخبار الحرب من أسماء الأماكن المقدسة.
لا نحتاج إلى اتهام شعب أو دولة أو دين، ولا إلى تحويل المدينة إلى أداة في خصومة سياسية. بل لعل قداسة المدينة تفرض علينا العكس تمامًا: أن نطلب للآخر ما نطلبه لأنفسنا.
فإذا أردنا ألا يخاف الإنسان في المدينة، فعلينا أن نفهم خوف الإنسان في كل مدينة.
وإذا كانت للمقدسات حرمة، فإن للإنسان حرمة أيضًا.
لقد تعلم الإنسان عبر القرون كيف يصل أبعد، وأسرع، وبدقة أكبر. اختصر المسافات، واخترق السماء، ورأى الأرض من خارجها، وصنع من الأدوات ما يستطيع أن يبلغ به مكانًا لم تطأه قدماه قط.
لكن الحضارة لا تقاس دائمًا بما نستطيع الوصول إليه؛ أحيانًا تقاس بما نملك القوة للوصول إليه، ثم نختار أن نتركه آمنًا.
قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وصل إلى يثرب رجل خرج من أحب البلاد إليه، بعد أن عرف الفقد والرفض والأذى. لم يكن يحمل معه وطنه، ففتح له الأنصار أبواب وطنهم. لم يطلبوا منه أن ينسى مكة كي يحب مدينتهم؛ آووه، وآخوا أصحابه، حتى دعا ﷺ: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».
وربما هنا يكمن سر المدينة الذي لا تستطيع الأرقام وحدها تفسيره.
لم تصبح عزيزة لأن الحزن لم يعرف طريقه إليها، بل لأنها عرفت كيف تجعل من الخوف أمنًا، ومن الهجرة مؤاخاة، ومن المكان دارًا، ومن استقبال الإنسان للإنسان إيمانًا.
لذلك، عندما يمر الخوف قريبًا من اسمها، لا يقلق المسلم على حجر وحده. يقلق على مكان سار فيه رسول الله ﷺ، وعلى مدينة أحبها ودعا لها، وعلى ذاكرة الأنصار الذين علموا العالم، قبل أن توجد مواثيق اللجوء وقوانين الحماية، أن الإنسان يستطيع أن يفسح لإنسان آخر مكانًا في داره، وقوت يومه، وقلبه.
قد تتغير أسماء الحروب وأدواتها، وقد يصبح الإنسان قادرًا على الوصول إلى كل بقعة على هذه الأرض. لكن لعل أعظم ما يستطيع الإنسان فعله بقوته، في النهاية، ليس أن يصل.
بل أن يعرف أين يتوقف.
وتبقى تلك التي كانت يومًا يثرب، والتي استقبلت رجلًا خرج من وطنه مثقلًا بالفقد، المدينة التي أحبها ودعا لها رسول الله ﷺ، كما وصفها:
«إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».
كأن الإيمان، مهما ابتعد الإنسان، ومهما اضطرب العالم من حوله، يعرف طريقه إلى مأواه.
وتبقى المدينة.. مأرز الإيمان