* بقلم: بسام الجيال
باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
هلسنكي – فنلندا
bassam.algayal@integrateuscon.com
تناولتُ في المقال السابق، المنشور في صحيفة «الوطن» يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، نشأة «أم القرى» سنة 1924 و«صوت الحجاز» سنة 1932، وحاولتُ قراءة الصحيفتين بوصفهما جزءًا من تاريخ بناء الدولة والمجال العام، لا مجرد فصل مهني من تاريخ الصحافة. كانت «أم القرى» تسجل خطوات الدولة وهي تتشكل، وتنشر أنظمتها وأوامرها وأخبارها، بينما فتحت «صوت الحجاز» مساحة أوسع للنقاش الأدبي والاجتماعي ولحضور الكتّاب في الحياة العامة. ولم يكن المقصود تقديم قائمة كاملة بجميع الدوريات التي ظهرت بين التاريخين؛ فقد صدرت مجلة «الإصلاح» في مكة سنة 1928، وأسهمت بدورها في توسيع التجربة الصحفية الناشئة. كان المقصود تتبع انتقال الصحافة من إعلان القرار إلى المشاركة في كتابة المجتمع.
تأخذنا الحلقة التالية إلى سنة 1937، حين شهدت المدينة المنورة ولادة مطبوعتين تختلفان في الشكل والوظيفة، لكنهما تلتقيان في دلالة تاريخية واحدة: مجلة «المنهل» التي أسسها عبدالقدوس الأنصاري، وصحيفة «المدينة المنورة» التي أسسها الشقيقان علي وعثمان حافظ. ظهرت الأولى في فبراير، ثم صدر العدد الأول من الثانية في 8 أبريل من السنة نفسها. وخلال شهرين تقريبًا، أصبحت المدينة المنورة مركزًا جديدًا من مراكز الصحافة السعودية، وصار الأدب والتاريخ والخبر المحلي والحياة الاجتماعية مواد تدخل في تكوين الذاكرة الوطنية المكتوبة.
لم تعد الصحافة في هذه المرحلة تسجل وجود الدولة فقط؛ بل بدأت تسجل المجتمع الذي أخذ يتشكل داخلها. ولهذا فإن قراءة «المنهل» و«المدينة» لا ينبغي أن تقتصر على تاريخ المطبعتين أو أسماء مؤسسيهما، بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأكبر: ماذا كان السعوديون يكتبون عن أنفسهم بعد خمسة أعوام من إعلان اسم المملكة العربية السعودية؟ وما القضايا التي رأوا أنها تستحق أن تحفظ بالحبر والورق؟ وكيف انتقل المجال العام من صحيفة تصدر في مكة إلى شبكة تتسع للمدينة المنورة، ثم لمدن المملكة ومناطقها؟
سنة 1937 وانتقال الصحافة إلى المدينة المنورة
كانت مكة المكرمة مركز البدايات الصحفية في العهد السعودي؛ فمنها صدرت «أم القرى»، ثم «الإصلاح»، ثم «صوت الحجاز». وكان ذلك مفهومًا بحكم مكانة مكة الدينية والسياسية، ووجود المطبعة، واتصالها بالحجاج والوفود والمثقفين القادمين من أقطار مختلفة. لكن ظهور «المنهل» و«المدينة المنورة» سنة 1937 يكشف أن المجال الثقافي السعودي لم يبقَ محصورًا في مدينة واحدة. كانت الدولة قد بدأت تربط مناطقها إداريًا وسياسيًا، وبدأت الصحافة بدورها تربطها فكريًا وإخباريًا.
لم تكن المدينة المنورة مكانًا عاديًا في هذه الحركة. فهي مدينة ذات مكانة دينية عالمية، وذاكرة علمية ممتدة، وشبكات من العلماء والمدرسين والأدباء والقادمين من أنحاء العالم الإسلامي. ومع دخولها المرحلة السعودية أصبحت أمام سؤال جديد: كيف تحافظ على مكانتها التاريخية، وفي الوقت نفسه تشارك في الحياة الثقافية والإعلامية لدولة حديثة تتكون مؤسساتها؟
جاءت «المنهل» و«المدينة المنورة» إجابتين مختلفتين عن هذا السؤال. اختارت «المنهل» طريق المجلة الثقافية الشهرية، فاشتغلت على الأدب والتاريخ واللغة والعلم وتقديم الأقلام الجديدة. أما «المدينة المنورة» فاختارت طريق الصحيفة التي تتابع الأخبار والشؤون المحلية وقضايا المجتمع، وتصدر بصورة دورية أقرب إلى إيقاع الحياة اليومية. الأولى حاولت أن تجمع المعرفة وتحفظها، والثانية حاولت أن تلتقط حركة المجتمع وتنقلها. وبينهما تشكل جانب مهم من صورة المدينة داخل المملكة الجديدة.
والدلالة الأعمق ليست انتقال الطباعة من مكة إلى المدينة فحسب، بل انتقال المشاركة في كتابة الوطن من مركز واحد إلى مراكز متعددة. فالدولة الموحدة لا تكتمل سرديتها بصوت العاصمة السياسية أو المدينة الإدارية وحدهما؛ بل تحتاج إلى أن تظهر مناطقها في الصحافة بوصفها أماكن حية لها كتّابها وقضاياها وذاكرتها. ومن هنا تصبح ولادة مطبوعتين في المدينة المنورة خلال سنة واحدة علامة على اتساع المجال الوطني، وعلى بداية توزيع وظيفة الكتابة العامة بين مدن المملكة.
المنهل: بناء الذاكرة الثقافية للمملكة
أسس الأديب والمؤرخ عبدالقدوس الأنصاري مجلة «المنهل» في المدينة المنورة، وظهر عددها الأول في فبراير 1937. وتُعد أول مجلة أدبية سعودية، وقد أدت على امتداد أكثر من ثمانية عقود رسالة ثقافية بارزة، قبل أن تتوقف عن الصدور سنة 2019. جعلها مؤسسها منبرًا للأدب والثقافة والعلم والتاريخ، وفتح صفحاتها لكتّاب من مناطق مختلفة ولأصوات شابة كانت تبحث عن طريقها إلى النشر. ولم يكن مشروع الأنصاري تجاريًا بالمعنى المباشر، بل كان مشروعًا لبناء بيئة ثقافية تستطيع فيها المعرفة المحلية أن تنتقل من المجلس والدرس والمراسلة الخاصة إلى النص المنشور المتداول.
تكمن أهمية «المنهل» في أنها لم تتعامل مع الأدب بوصفه ترفًا منفصلًا عن بناء الدولة. كانت المملكة في سنواتها الأولى تحتاج إلى المدارس والطرق والإدارات، لكنها كانت تحتاج كذلك إلى لغة تصف نفسها، وإلى كتّاب يروون تاريخ مناطقها، وإلى فضاء يناقش الشعر والقصة واللغة والتعليم والتراث. فالدولة لا تُبنى بالمؤسسات المادية وحدها؛ إنها تحتاج أيضًا إلى ذاكرة ثقافية تمنح مجتمعها القدرة على فهم ذاته وتمثيلها.
قدمت المجلة صفحات يلتقي فيها القديم بالجديد. نشرت موضوعات في التاريخ والتراث والأدب، وفي الوقت نفسه أسهمت في التعريف بالأجناس الحديثة، وفي مقدمتها القصة والمقالة الأدبية وأشكال الشعر الجديدة. وبذلك أصبحت صفحاتها سجلًا لمرحلة كان الكاتب السعودي يتعلم فيها كيف يخاطب جمهورًا يتجاوز مدينته ومجلسه وبيئته المباشرة. وما كان يكتبه المؤلف في المدينة المنورة يمكن أن يصل إلى مكة وجدة ونجد والأحساء، وأن يدخل في حوار مع نصوص وأفكار عربية أوسع.
يستحق عبدالقدوس الأنصاري نفسه دراسة مستقلة داخل السردية السعودية. فمؤسس المجلة لم يكن ناشرًا يوزع المهام من بعيد، بل كان محررًا وكاتبًا وباحثًا يحمل عبء استمرار المطبوعة. وتمثل تجربته نموذجًا لجيل لم ينتظر اكتمال المؤسسات الثقافية حتى يبدأ العمل، بل أسهم من خلال المبادرة الفردية في إنشاء تلك المؤسسات. وكانت المجلة مدرسة غير رسمية لمجموعة من الأدباء والباحثين الذين وجدوا فيها مكانًا للنشر والتعارف وتبادل الأفكار.
ولا تُقرأ «المنهل» اليوم من خلال مقالاتها الأدبية وحدها. إعلانات الكتب، وأخبار المدارس، ورسائل القراء، وأسماء المشتركين والمساهمين، والموضوعات التي كانت تتكرر أو تختفي، كلها مواد تساعدنا على رسم خريطة الحياة الثقافية في المملكة. فمن خلالها يمكن معرفة الكتب التي كانت تُقرأ، والمدن التي كانت تصل إليها المجلة، والقضايا اللغوية والاجتماعية التي شغلت الكتّاب، والعلاقة التي بدأت تتكون بين التعليم والصحافة والتأليف.
هكذا تصبح «المنهل» أكثر من مجلة أدبية؛ تصبح أرشيفًا لتكوّن المثقف السعودي ولظهور مجتمع القراء. وإذا كانت «أم القرى» قد حفظت جانبًا من ذاكرة الدولة الرسمية، فإن «المنهل» حفظت جانبًا من ذاكرة المجتمع وهو يكتب أدبه وتاريخه وأسئلته.
صحيفة المدينة: من عددها الأول سنة 1937 إلى مؤسسة صحفية مستمرة
بعد ظهور مجلة «المنهل» بنحو شهرين، صدر العدد الأول من صحيفة «المدينة المنورة» يوم الخميس 8 أبريل 1937. أسسها الشقيقان علي وعثمان حافظ، وبدأت صحيفة أسبوعية من أربع صفحات، وتولى أمين مدني رئاسة تحريرها في مرحلتها الأولى، قبل أن يتولى عثمان حافظ مسؤولية التحرير، ثم يشاركه شقيقه علي في إدارة المشروع وتحريره. كانت البداية محدودة في عدد الصفحات ودورية الصدور، لكنها حملت منذ انطلاقها مقومات العمل الصحفي من تحرير وطباعة وإدارة وتوزيع وعلاقة منتظمة مع القراء.
يحمل اسم الصحيفة دلالة مهمة؛ فهي لم تختر عنوانًا عامًا، بل حملت اسم المدينة التي انطلقت منها. غير أن محليتها لم تكن انغلاقًا على المكان، بل كانت وسيلة لإدخال المدينة المنورة في المجال الوطني المكتوب. فمن خلال أخبارها الاجتماعية والتعليمية والخدمية، دخلت تفاصيل الحياة المحلية إلى السجل الصحفي للمملكة، وأصبحت أخبار المدارس والأسواق والزيارات والمناسبات والطرق جزءًا من ذاكرة يمكن الرجوع إليها بعد عقود.
كانت الصحيفة أقرب إلى إيقاع المجتمع اليومي من المجلة الأدبية؛ فالخبر يحتاج إلى متابعة مستمرة، والصحيفة تحتاج إلى مصادر ومحررين وطباعة وتوزيع ومواعيد منتظمة. ومن هنا مثّل تأسيسها خطوة إضافية في الانتقال من نشاط الكتابة الفردية إلى المؤسسة الصحفية. لم يعد الأمر مقتصرًا على كاتب يرسل مقالته إلى مطبوعة، بل أصبح عملًا يحتاج إلى إدارة وتمويل وشبكة توزيع واتصال متواصل بالقراء.
تطورت «المدينة المنورة» من صحيفة أسبوعية إلى الصدور مرتين في الأسبوع، ثم انتقلت إلى جدة وأصبحت صحيفة يومية. وفي سنة 1963، انتقلت ملكيتها إلى «مؤسسة المدينة للصحافة والنشر»، وهي المؤسسة التي تصدر عنها صحيفة «المدينة» اليوم. وبذلك تمثل الصحيفة الحالية امتدادًا مباشرًا للصحيفة التي أسسها الشقيقان حافظ في المدينة المنورة سنة 1937، وإن تغير اسمها ومقرها وإطارها المؤسسي عبر العقود. ويعكس هذا التطور نمو المدن، وتحسن وسائل النقل والتوزيع، واتساع التعليم وزيادة عدد القراء، وتحول الصحافة من مبادرات محدودة الإمكانات إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار والتوسع.
وتكشف قصة الشقيقين حافظ الدور الذي أدته المبادرة الأهلية في بناء الإعلام السعودي. فقد وفرت الدولة المجال السياسي والأمني والنظامي الذي يسمح للمؤسسات بالعمل، بينما تحمل أفراد وعائلات المخاطرة المالية والمهنية لتأسيس الصحف. وتمنحنا أعداد «المدينة» القديمة مادة لا توفرها الوثائق الحكومية دائمًا؛ فالوثيقة الرسمية تسجل القرار، أما الصحيفة فتسجل حضوره في حياة الناس، وتنقل أخبار المجتمع ولغته وتوقعاته وتحولاته. ومع تراكم أعدادها لم تعد «المدينة المنورة» تسجل أخبار مدينة واحدة فحسب، بل أصبحت شاهدًا على انتقال المجتمع السعودي إلى عصر الخبر المنتظم والمؤسسة الصحفية المستمرة.
وتمنحنا الأعداد القديمة من «المدينة المنورة» مادة تاريخية لا توفرها الوثائق الحكومية دائمًا. فالوثيقة الرسمية تسجل القرار وصيغته والجهة التي أصدرته، أما الصحيفة فتسجل حضوره في حياة الناس، وتنقل أخبار المدارس والأسواق والطرق والخدمات والزيارات والكتب والمناسبات، وتكشف لغة المجتمع وتوقعاته واهتماماته. وقد يبدو خبر افتتاح مدرسة أو إصلاح طريق أو وصول كتاب جديد خبرًا عابرًا عند نشره، لكنه يتحول بعد عقود إلى شاهد على نمو المدينة وتغير المجتمع واتساع وظائف الدولة.
كانت «المدينة المنورة» تكتب المكان عددًا بعد آخر، لكنها مع تراكم أعدادها لم تعد تسجل سيرة مدينة واحدة فحسب. لقد وثقت انتقال المجتمع السعودي إلى عصر الخبر المنتظم، وأسهمت في تحويل الحياة المحلية إلى جزء من الذاكرة الوطنية. ومن عدد أسبوعي من أربع صفحات صدر في المدينة المنورة سنة 1937 إلى صحيفة يومية تصدر اليوم من جدة، تقدم «المدينة» مثالًا واضحًا على الكيفية التي تحولت بها مبادرة أهلية صغيرة إلى مؤسسة وطنية مستمرة، وعلى الدور الذي أدته الصحافة في كتابة الدولة والمجتمع وهما يتشكلان ويتوسعان.
المطبوعتان في خارطة السردية السعودية
تكشف المقارنة بين «المنهل» و«المدينة المنورة» أن عام 1937 لم يشهد مجرد إضافة عنوانين إلى قائمة الصحافة السعودية. لقد شهد ولادة وظيفتين متكاملتين: مجلة تساعد المجتمع على إنتاج ذاكرته الثقافية، وصحيفة تسجل حركته اليومية. كانت «المنهل» تسأل عما ينبغي أن يُكتب ويُحفظ من الأدب والتاريخ، بينما كانت «المدينة المنورة» تسأل عما يحدث الآن ويجب أن يعرفه القارئ.
تساعدنا هذه الثنائية على توسيع مفهوم السردية السعودية. فالسردية ليست قصة الملوك والقرارات والمعارك وحدها، على أهميتها، وليست أيضًا مجموعة حكايات شعبية منفصلة عن مسار الدولة. إنها المساحة التي تلتقي فيها الوثيقة الرسمية مع الصحيفة والمجلة، ويلتقي فيها القرار مع أثره في حياة الناس، وتدخل فيها المدن والمدارس والأسواق والكتب والكتّاب والقراء في قصة وطن واحد.
ومن هنا ينبغي ألا نتعامل مع الأعداد القديمة للمطبوعتين بوصفها مقتنيات تصلح للعرض في المناسبات فقط. المطلوب جمعها ورقمنتها وفهرستها بصورة تسمح بالبحث في نصوصها وأسمائها وموضوعاتها. نحتاج إلى معرفة من كتب فيها، ومن أي منطقة جاء، وما المدارس والمؤسسات التي ظهرت في أخبارها، وما المدن التي وصل إليها توزيعها، وكيف تغيرت لغة المقال والخبر عبر الزمن. كما نحتاج إلى مقارنة ما نشرته بالوثائق الرسمية والمراسلات الخاصة والمذكرات الشفوية، حتى نرى المسافة بين القرار كما صدر والحياة كما عاشها الناس.
وقد تكشف هذه القراءة عن أسماء لم تحظَ بمكانها المستحق في تاريخ الثقافة السعودية: محررون ومصححون ومراسلون وطباعون وموزعون وقراء أرسلوا رسائلهم إلى الصحف. فالمطبوعة لا يصنعها الاسم الظاهر على غلافها وحده؛ بل تقف خلفها شبكة كاملة من الأشخاص الذين أسهموا في تحويل الكلمة إلى مؤسسة وفي نقلها من المطبعة إلى المجتمع.
بدأت الصحافة السعودية الحديثة بـ«أم القرى» وهي تسجل خطوات الدولة، ثم اتسع المجال مع «صوت الحجاز» ليحمل أصوات الأدباء والكتّاب. وفي سنة 1937 أضافت المدينة المنورة طبقة جديدة إلى هذه الذاكرة: «المنهل» تحفظ الثقافة، و«المدينة» تتابع الخبر. ولم يكن ذلك تطورًا في الصحافة وحدها، بل تطور في قدرة المجتمع السعودي على رؤية نفسه وكتابة تجربته.
لهذا تحتل المطبوعتان موقعًا أصيلًا في خارطة إعادة بناء السردية السعودية. فمن صفحات «المنهل» نقرأ كيف كان السعوديون يبنون لغتهم الثقافية، ومن صفحات «المدينة» نقرأ كيف كانوا يسجلون تحولات مجتمعهم. وبين الأدب والخبر نرى الوطن وهو لا يكتفي بأن يُعلن اسمه في وثيقة، بل يبدأ في كتابة ذاكرته بيد أبنائه، مدينة بعد مدينة، وجيلًا بعد جيل.
باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
هلسنكي – فنلندا
bassam.algayal@integrateuscon.com
تناولتُ في المقال السابق، المنشور في صحيفة «الوطن» يوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026، نشأة «أم القرى» سنة 1924 و«صوت الحجاز» سنة 1932، وحاولتُ قراءة الصحيفتين بوصفهما جزءًا من تاريخ بناء الدولة والمجال العام، لا مجرد فصل مهني من تاريخ الصحافة. كانت «أم القرى» تسجل خطوات الدولة وهي تتشكل، وتنشر أنظمتها وأوامرها وأخبارها، بينما فتحت «صوت الحجاز» مساحة أوسع للنقاش الأدبي والاجتماعي ولحضور الكتّاب في الحياة العامة. ولم يكن المقصود تقديم قائمة كاملة بجميع الدوريات التي ظهرت بين التاريخين؛ فقد صدرت مجلة «الإصلاح» في مكة سنة 1928، وأسهمت بدورها في توسيع التجربة الصحفية الناشئة. كان المقصود تتبع انتقال الصحافة من إعلان القرار إلى المشاركة في كتابة المجتمع.
تأخذنا الحلقة التالية إلى سنة 1937، حين شهدت المدينة المنورة ولادة مطبوعتين تختلفان في الشكل والوظيفة، لكنهما تلتقيان في دلالة تاريخية واحدة: مجلة «المنهل» التي أسسها عبدالقدوس الأنصاري، وصحيفة «المدينة المنورة» التي أسسها الشقيقان علي وعثمان حافظ. ظهرت الأولى في فبراير، ثم صدر العدد الأول من الثانية في 8 أبريل من السنة نفسها. وخلال شهرين تقريبًا، أصبحت المدينة المنورة مركزًا جديدًا من مراكز الصحافة السعودية، وصار الأدب والتاريخ والخبر المحلي والحياة الاجتماعية مواد تدخل في تكوين الذاكرة الوطنية المكتوبة.
لم تعد الصحافة في هذه المرحلة تسجل وجود الدولة فقط؛ بل بدأت تسجل المجتمع الذي أخذ يتشكل داخلها. ولهذا فإن قراءة «المنهل» و«المدينة» لا ينبغي أن تقتصر على تاريخ المطبعتين أو أسماء مؤسسيهما، بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأكبر: ماذا كان السعوديون يكتبون عن أنفسهم بعد خمسة أعوام من إعلان اسم المملكة العربية السعودية؟ وما القضايا التي رأوا أنها تستحق أن تحفظ بالحبر والورق؟ وكيف انتقل المجال العام من صحيفة تصدر في مكة إلى شبكة تتسع للمدينة المنورة، ثم لمدن المملكة ومناطقها؟
سنة 1937 وانتقال الصحافة إلى المدينة المنورة
كانت مكة المكرمة مركز البدايات الصحفية في العهد السعودي؛ فمنها صدرت «أم القرى»، ثم «الإصلاح»، ثم «صوت الحجاز». وكان ذلك مفهومًا بحكم مكانة مكة الدينية والسياسية، ووجود المطبعة، واتصالها بالحجاج والوفود والمثقفين القادمين من أقطار مختلفة. لكن ظهور «المنهل» و«المدينة المنورة» سنة 1937 يكشف أن المجال الثقافي السعودي لم يبقَ محصورًا في مدينة واحدة. كانت الدولة قد بدأت تربط مناطقها إداريًا وسياسيًا، وبدأت الصحافة بدورها تربطها فكريًا وإخباريًا.
لم تكن المدينة المنورة مكانًا عاديًا في هذه الحركة. فهي مدينة ذات مكانة دينية عالمية، وذاكرة علمية ممتدة، وشبكات من العلماء والمدرسين والأدباء والقادمين من أنحاء العالم الإسلامي. ومع دخولها المرحلة السعودية أصبحت أمام سؤال جديد: كيف تحافظ على مكانتها التاريخية، وفي الوقت نفسه تشارك في الحياة الثقافية والإعلامية لدولة حديثة تتكون مؤسساتها؟
جاءت «المنهل» و«المدينة المنورة» إجابتين مختلفتين عن هذا السؤال. اختارت «المنهل» طريق المجلة الثقافية الشهرية، فاشتغلت على الأدب والتاريخ واللغة والعلم وتقديم الأقلام الجديدة. أما «المدينة المنورة» فاختارت طريق الصحيفة التي تتابع الأخبار والشؤون المحلية وقضايا المجتمع، وتصدر بصورة دورية أقرب إلى إيقاع الحياة اليومية. الأولى حاولت أن تجمع المعرفة وتحفظها، والثانية حاولت أن تلتقط حركة المجتمع وتنقلها. وبينهما تشكل جانب مهم من صورة المدينة داخل المملكة الجديدة.
والدلالة الأعمق ليست انتقال الطباعة من مكة إلى المدينة فحسب، بل انتقال المشاركة في كتابة الوطن من مركز واحد إلى مراكز متعددة. فالدولة الموحدة لا تكتمل سرديتها بصوت العاصمة السياسية أو المدينة الإدارية وحدهما؛ بل تحتاج إلى أن تظهر مناطقها في الصحافة بوصفها أماكن حية لها كتّابها وقضاياها وذاكرتها. ومن هنا تصبح ولادة مطبوعتين في المدينة المنورة خلال سنة واحدة علامة على اتساع المجال الوطني، وعلى بداية توزيع وظيفة الكتابة العامة بين مدن المملكة.
المنهل: بناء الذاكرة الثقافية للمملكة
أسس الأديب والمؤرخ عبدالقدوس الأنصاري مجلة «المنهل» في المدينة المنورة، وظهر عددها الأول في فبراير 1937. وتُعد أول مجلة أدبية سعودية، وقد أدت على امتداد أكثر من ثمانية عقود رسالة ثقافية بارزة، قبل أن تتوقف عن الصدور سنة 2019. جعلها مؤسسها منبرًا للأدب والثقافة والعلم والتاريخ، وفتح صفحاتها لكتّاب من مناطق مختلفة ولأصوات شابة كانت تبحث عن طريقها إلى النشر. ولم يكن مشروع الأنصاري تجاريًا بالمعنى المباشر، بل كان مشروعًا لبناء بيئة ثقافية تستطيع فيها المعرفة المحلية أن تنتقل من المجلس والدرس والمراسلة الخاصة إلى النص المنشور المتداول.
تكمن أهمية «المنهل» في أنها لم تتعامل مع الأدب بوصفه ترفًا منفصلًا عن بناء الدولة. كانت المملكة في سنواتها الأولى تحتاج إلى المدارس والطرق والإدارات، لكنها كانت تحتاج كذلك إلى لغة تصف نفسها، وإلى كتّاب يروون تاريخ مناطقها، وإلى فضاء يناقش الشعر والقصة واللغة والتعليم والتراث. فالدولة لا تُبنى بالمؤسسات المادية وحدها؛ إنها تحتاج أيضًا إلى ذاكرة ثقافية تمنح مجتمعها القدرة على فهم ذاته وتمثيلها.
قدمت المجلة صفحات يلتقي فيها القديم بالجديد. نشرت موضوعات في التاريخ والتراث والأدب، وفي الوقت نفسه أسهمت في التعريف بالأجناس الحديثة، وفي مقدمتها القصة والمقالة الأدبية وأشكال الشعر الجديدة. وبذلك أصبحت صفحاتها سجلًا لمرحلة كان الكاتب السعودي يتعلم فيها كيف يخاطب جمهورًا يتجاوز مدينته ومجلسه وبيئته المباشرة. وما كان يكتبه المؤلف في المدينة المنورة يمكن أن يصل إلى مكة وجدة ونجد والأحساء، وأن يدخل في حوار مع نصوص وأفكار عربية أوسع.
يستحق عبدالقدوس الأنصاري نفسه دراسة مستقلة داخل السردية السعودية. فمؤسس المجلة لم يكن ناشرًا يوزع المهام من بعيد، بل كان محررًا وكاتبًا وباحثًا يحمل عبء استمرار المطبوعة. وتمثل تجربته نموذجًا لجيل لم ينتظر اكتمال المؤسسات الثقافية حتى يبدأ العمل، بل أسهم من خلال المبادرة الفردية في إنشاء تلك المؤسسات. وكانت المجلة مدرسة غير رسمية لمجموعة من الأدباء والباحثين الذين وجدوا فيها مكانًا للنشر والتعارف وتبادل الأفكار.
ولا تُقرأ «المنهل» اليوم من خلال مقالاتها الأدبية وحدها. إعلانات الكتب، وأخبار المدارس، ورسائل القراء، وأسماء المشتركين والمساهمين، والموضوعات التي كانت تتكرر أو تختفي، كلها مواد تساعدنا على رسم خريطة الحياة الثقافية في المملكة. فمن خلالها يمكن معرفة الكتب التي كانت تُقرأ، والمدن التي كانت تصل إليها المجلة، والقضايا اللغوية والاجتماعية التي شغلت الكتّاب، والعلاقة التي بدأت تتكون بين التعليم والصحافة والتأليف.
هكذا تصبح «المنهل» أكثر من مجلة أدبية؛ تصبح أرشيفًا لتكوّن المثقف السعودي ولظهور مجتمع القراء. وإذا كانت «أم القرى» قد حفظت جانبًا من ذاكرة الدولة الرسمية، فإن «المنهل» حفظت جانبًا من ذاكرة المجتمع وهو يكتب أدبه وتاريخه وأسئلته.
صحيفة المدينة: من عددها الأول سنة 1937 إلى مؤسسة صحفية مستمرة
بعد ظهور مجلة «المنهل» بنحو شهرين، صدر العدد الأول من صحيفة «المدينة المنورة» يوم الخميس 8 أبريل 1937. أسسها الشقيقان علي وعثمان حافظ، وبدأت صحيفة أسبوعية من أربع صفحات، وتولى أمين مدني رئاسة تحريرها في مرحلتها الأولى، قبل أن يتولى عثمان حافظ مسؤولية التحرير، ثم يشاركه شقيقه علي في إدارة المشروع وتحريره. كانت البداية محدودة في عدد الصفحات ودورية الصدور، لكنها حملت منذ انطلاقها مقومات العمل الصحفي من تحرير وطباعة وإدارة وتوزيع وعلاقة منتظمة مع القراء.
يحمل اسم الصحيفة دلالة مهمة؛ فهي لم تختر عنوانًا عامًا، بل حملت اسم المدينة التي انطلقت منها. غير أن محليتها لم تكن انغلاقًا على المكان، بل كانت وسيلة لإدخال المدينة المنورة في المجال الوطني المكتوب. فمن خلال أخبارها الاجتماعية والتعليمية والخدمية، دخلت تفاصيل الحياة المحلية إلى السجل الصحفي للمملكة، وأصبحت أخبار المدارس والأسواق والزيارات والمناسبات والطرق جزءًا من ذاكرة يمكن الرجوع إليها بعد عقود.
كانت الصحيفة أقرب إلى إيقاع المجتمع اليومي من المجلة الأدبية؛ فالخبر يحتاج إلى متابعة مستمرة، والصحيفة تحتاج إلى مصادر ومحررين وطباعة وتوزيع ومواعيد منتظمة. ومن هنا مثّل تأسيسها خطوة إضافية في الانتقال من نشاط الكتابة الفردية إلى المؤسسة الصحفية. لم يعد الأمر مقتصرًا على كاتب يرسل مقالته إلى مطبوعة، بل أصبح عملًا يحتاج إلى إدارة وتمويل وشبكة توزيع واتصال متواصل بالقراء.
تطورت «المدينة المنورة» من صحيفة أسبوعية إلى الصدور مرتين في الأسبوع، ثم انتقلت إلى جدة وأصبحت صحيفة يومية. وفي سنة 1963، انتقلت ملكيتها إلى «مؤسسة المدينة للصحافة والنشر»، وهي المؤسسة التي تصدر عنها صحيفة «المدينة» اليوم. وبذلك تمثل الصحيفة الحالية امتدادًا مباشرًا للصحيفة التي أسسها الشقيقان حافظ في المدينة المنورة سنة 1937، وإن تغير اسمها ومقرها وإطارها المؤسسي عبر العقود. ويعكس هذا التطور نمو المدن، وتحسن وسائل النقل والتوزيع، واتساع التعليم وزيادة عدد القراء، وتحول الصحافة من مبادرات محدودة الإمكانات إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار والتوسع.
وتكشف قصة الشقيقين حافظ الدور الذي أدته المبادرة الأهلية في بناء الإعلام السعودي. فقد وفرت الدولة المجال السياسي والأمني والنظامي الذي يسمح للمؤسسات بالعمل، بينما تحمل أفراد وعائلات المخاطرة المالية والمهنية لتأسيس الصحف. وتمنحنا أعداد «المدينة» القديمة مادة لا توفرها الوثائق الحكومية دائمًا؛ فالوثيقة الرسمية تسجل القرار، أما الصحيفة فتسجل حضوره في حياة الناس، وتنقل أخبار المجتمع ولغته وتوقعاته وتحولاته. ومع تراكم أعدادها لم تعد «المدينة المنورة» تسجل أخبار مدينة واحدة فحسب، بل أصبحت شاهدًا على انتقال المجتمع السعودي إلى عصر الخبر المنتظم والمؤسسة الصحفية المستمرة.
وتمنحنا الأعداد القديمة من «المدينة المنورة» مادة تاريخية لا توفرها الوثائق الحكومية دائمًا. فالوثيقة الرسمية تسجل القرار وصيغته والجهة التي أصدرته، أما الصحيفة فتسجل حضوره في حياة الناس، وتنقل أخبار المدارس والأسواق والطرق والخدمات والزيارات والكتب والمناسبات، وتكشف لغة المجتمع وتوقعاته واهتماماته. وقد يبدو خبر افتتاح مدرسة أو إصلاح طريق أو وصول كتاب جديد خبرًا عابرًا عند نشره، لكنه يتحول بعد عقود إلى شاهد على نمو المدينة وتغير المجتمع واتساع وظائف الدولة.
كانت «المدينة المنورة» تكتب المكان عددًا بعد آخر، لكنها مع تراكم أعدادها لم تعد تسجل سيرة مدينة واحدة فحسب. لقد وثقت انتقال المجتمع السعودي إلى عصر الخبر المنتظم، وأسهمت في تحويل الحياة المحلية إلى جزء من الذاكرة الوطنية. ومن عدد أسبوعي من أربع صفحات صدر في المدينة المنورة سنة 1937 إلى صحيفة يومية تصدر اليوم من جدة، تقدم «المدينة» مثالًا واضحًا على الكيفية التي تحولت بها مبادرة أهلية صغيرة إلى مؤسسة وطنية مستمرة، وعلى الدور الذي أدته الصحافة في كتابة الدولة والمجتمع وهما يتشكلان ويتوسعان.
المطبوعتان في خارطة السردية السعودية
تكشف المقارنة بين «المنهل» و«المدينة المنورة» أن عام 1937 لم يشهد مجرد إضافة عنوانين إلى قائمة الصحافة السعودية. لقد شهد ولادة وظيفتين متكاملتين: مجلة تساعد المجتمع على إنتاج ذاكرته الثقافية، وصحيفة تسجل حركته اليومية. كانت «المنهل» تسأل عما ينبغي أن يُكتب ويُحفظ من الأدب والتاريخ، بينما كانت «المدينة المنورة» تسأل عما يحدث الآن ويجب أن يعرفه القارئ.
تساعدنا هذه الثنائية على توسيع مفهوم السردية السعودية. فالسردية ليست قصة الملوك والقرارات والمعارك وحدها، على أهميتها، وليست أيضًا مجموعة حكايات شعبية منفصلة عن مسار الدولة. إنها المساحة التي تلتقي فيها الوثيقة الرسمية مع الصحيفة والمجلة، ويلتقي فيها القرار مع أثره في حياة الناس، وتدخل فيها المدن والمدارس والأسواق والكتب والكتّاب والقراء في قصة وطن واحد.
ومن هنا ينبغي ألا نتعامل مع الأعداد القديمة للمطبوعتين بوصفها مقتنيات تصلح للعرض في المناسبات فقط. المطلوب جمعها ورقمنتها وفهرستها بصورة تسمح بالبحث في نصوصها وأسمائها وموضوعاتها. نحتاج إلى معرفة من كتب فيها، ومن أي منطقة جاء، وما المدارس والمؤسسات التي ظهرت في أخبارها، وما المدن التي وصل إليها توزيعها، وكيف تغيرت لغة المقال والخبر عبر الزمن. كما نحتاج إلى مقارنة ما نشرته بالوثائق الرسمية والمراسلات الخاصة والمذكرات الشفوية، حتى نرى المسافة بين القرار كما صدر والحياة كما عاشها الناس.
وقد تكشف هذه القراءة عن أسماء لم تحظَ بمكانها المستحق في تاريخ الثقافة السعودية: محررون ومصححون ومراسلون وطباعون وموزعون وقراء أرسلوا رسائلهم إلى الصحف. فالمطبوعة لا يصنعها الاسم الظاهر على غلافها وحده؛ بل تقف خلفها شبكة كاملة من الأشخاص الذين أسهموا في تحويل الكلمة إلى مؤسسة وفي نقلها من المطبعة إلى المجتمع.
بدأت الصحافة السعودية الحديثة بـ«أم القرى» وهي تسجل خطوات الدولة، ثم اتسع المجال مع «صوت الحجاز» ليحمل أصوات الأدباء والكتّاب. وفي سنة 1937 أضافت المدينة المنورة طبقة جديدة إلى هذه الذاكرة: «المنهل» تحفظ الثقافة، و«المدينة» تتابع الخبر. ولم يكن ذلك تطورًا في الصحافة وحدها، بل تطور في قدرة المجتمع السعودي على رؤية نفسه وكتابة تجربته.
لهذا تحتل المطبوعتان موقعًا أصيلًا في خارطة إعادة بناء السردية السعودية. فمن صفحات «المنهل» نقرأ كيف كان السعوديون يبنون لغتهم الثقافية، ومن صفحات «المدينة» نقرأ كيف كانوا يسجلون تحولات مجتمعهم. وبين الأدب والخبر نرى الوطن وهو لا يكتفي بأن يُعلن اسمه في وثيقة، بل يبدأ في كتابة ذاكرته بيد أبنائه، مدينة بعد مدينة، وجيلًا بعد جيل.