«المروق» يبدأ من شرخ صغير في الضمير، يوم تتحول المصلحة الشخصية إلى ميزان للحق، ويغدو الوطن جميلاً ما دام يمنح صاحبه ما يشتهي، ثم يصبح سجناً كبيراً ساعة تتعثر رغبة أو يفوت منصب أو تتقلص منفعة. عندها يخرج بعضهم إلى الخارج محملاً بمرارة الخيبة، ثم يعيد تقديم خسارته الخاصة في هيئة قضية عامة، ويرتدي ثياب الرسالية والنبل والإصلاح.
المروق بهذه الصورة مسار تتشكل بداياته في النفس، ثم تتسع آثاره في الموقف السياسي، وتنتهي إلى مفارقة الجماعة. ولهذا حذّرت الشريعة- بلغة صلبة- من مفارقة جماعة المسلمين؛ ووصفت من مات عليها بأن ميتته جاهلية؛ أي إنه مات على ضلال وانحراف عن الصراط المستقيم «مَن فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات فميتُته جاهلية..» وما ذاك إلا لأنها خطوة تفتح على القلب أبواباً متتابعة من التيه، تبدأ بتضخم الأنا، ثم تتحول الخصومة الشخصية إلى عقيدة، ويصبح الانتقام رؤية سياسية، ويغدو تشويه الوطن بطولة.
ومع استمرار الطريق يفقد المرء إحساسه بالتناسب؛ فيستنكر خطأً صغيراً داخل بلاده، ثم يحتمل عظائم من يحتضنونه، ويشتد في محاسبة أهله، ثم يلين أمام خصومهم، حتى يبلغ به التناقض أن يستمد قوته ممن طالما اتهم وطنه بموالاتهم. وهنا تظهر الحقيقة النفسية العميقة: المارق يحتاج إلى تعظيم صورة الجماعة التي خرج إليها؛ لأن الاعتراف بقبحها يهدد القصة التي صنعها عن نفسه.
لقد أقنع ذاته بأنه غادر إلى فضاء الحرية والنبل، ولهذا يغض الطرف عن ابتزاز مستضيفيه، وعن ازدواجيتهم، وعن توظيفهم لقضيته. يصبح صمته ثمناً للإقامة، وصوته مادة للاستعمال، وغضبه وظيفة يؤديها كلما طلب منه ذلك.
وأشد ما يربك هؤلاء أن المملكة تسبقهم إلى الشعارات التي حاولوا احتكارها. زايدوا بقضايا المسلمين، فكانت المملكة في مقدمة الدول حملاً لهموم العالم الإسلامي، وإغاثة للمنكوبين، ودفاعاً عن القضايا الإسلامية في المحافل الدولية.
تحدثوا عن الإصلاح، فإذا الوطن يشهد تحولات واسعة في التنمية والعدالة والشفافية وجودة الحياة.
رفعوا شعار الإنسان، فإذا المملكة تسخر إمكاناتها لخدمته وبناء مستقبله.
وبعد إفلاس كثير من شعاراتهم، اتجهوا إلى صناعة بائرة: صناعة السخط. يجمعون الأخطاء المتفرقة، وينزعونها من سياقها، ويضخمون الحوادث الفردية، ثم يقدمون المجتمع السعودي ككتلة من الغضب المكتوم.
إنهم يتغذون على التأزم؛ فاستقرار المجتمع يجفف منابع حضورهم، ونجاح الوطن يسحب منهم وظيفة البطولة المصطنعة.
باختصار: المارقون الجدد تجار خيبة؛ يحولون جراحهم الخاصة إلى سوق سياسية، ثم يطلبون من المجتمع أن يدفع ثمن طموحاتهم المحطمة.
أما الوطن فيمضي بطريقته الواثقة، ويبقى المجتمع أوعى من أن يجعل غضب أفراد قلائل مرآة لملايين يعرفون وطنهم، ويحبونه، ويشاركون في بنائه.
المروق بهذه الصورة مسار تتشكل بداياته في النفس، ثم تتسع آثاره في الموقف السياسي، وتنتهي إلى مفارقة الجماعة. ولهذا حذّرت الشريعة- بلغة صلبة- من مفارقة جماعة المسلمين؛ ووصفت من مات عليها بأن ميتته جاهلية؛ أي إنه مات على ضلال وانحراف عن الصراط المستقيم «مَن فارق الجماعة وخرج من الطاعة فمات فميتُته جاهلية..» وما ذاك إلا لأنها خطوة تفتح على القلب أبواباً متتابعة من التيه، تبدأ بتضخم الأنا، ثم تتحول الخصومة الشخصية إلى عقيدة، ويصبح الانتقام رؤية سياسية، ويغدو تشويه الوطن بطولة.
ومع استمرار الطريق يفقد المرء إحساسه بالتناسب؛ فيستنكر خطأً صغيراً داخل بلاده، ثم يحتمل عظائم من يحتضنونه، ويشتد في محاسبة أهله، ثم يلين أمام خصومهم، حتى يبلغ به التناقض أن يستمد قوته ممن طالما اتهم وطنه بموالاتهم. وهنا تظهر الحقيقة النفسية العميقة: المارق يحتاج إلى تعظيم صورة الجماعة التي خرج إليها؛ لأن الاعتراف بقبحها يهدد القصة التي صنعها عن نفسه.
لقد أقنع ذاته بأنه غادر إلى فضاء الحرية والنبل، ولهذا يغض الطرف عن ابتزاز مستضيفيه، وعن ازدواجيتهم، وعن توظيفهم لقضيته. يصبح صمته ثمناً للإقامة، وصوته مادة للاستعمال، وغضبه وظيفة يؤديها كلما طلب منه ذلك.
وأشد ما يربك هؤلاء أن المملكة تسبقهم إلى الشعارات التي حاولوا احتكارها. زايدوا بقضايا المسلمين، فكانت المملكة في مقدمة الدول حملاً لهموم العالم الإسلامي، وإغاثة للمنكوبين، ودفاعاً عن القضايا الإسلامية في المحافل الدولية.
تحدثوا عن الإصلاح، فإذا الوطن يشهد تحولات واسعة في التنمية والعدالة والشفافية وجودة الحياة.
رفعوا شعار الإنسان، فإذا المملكة تسخر إمكاناتها لخدمته وبناء مستقبله.
وبعد إفلاس كثير من شعاراتهم، اتجهوا إلى صناعة بائرة: صناعة السخط. يجمعون الأخطاء المتفرقة، وينزعونها من سياقها، ويضخمون الحوادث الفردية، ثم يقدمون المجتمع السعودي ككتلة من الغضب المكتوم.
إنهم يتغذون على التأزم؛ فاستقرار المجتمع يجفف منابع حضورهم، ونجاح الوطن يسحب منهم وظيفة البطولة المصطنعة.
باختصار: المارقون الجدد تجار خيبة؛ يحولون جراحهم الخاصة إلى سوق سياسية، ثم يطلبون من المجتمع أن يدفع ثمن طموحاتهم المحطمة.
أما الوطن فيمضي بطريقته الواثقة، ويبقى المجتمع أوعى من أن يجعل غضب أفراد قلائل مرآة لملايين يعرفون وطنهم، ويحبونه، ويشاركون في بنائه.