طارق نواب

اعتدنا أن نسأل من سيرث البيت ومن ستؤول إليه الأرض وأين ستذهب المقتنيات بعد رحيل أصحابها، لكن سؤالًا جديدًا بدأ يطرق أبواب هذا العصر وهو من سيرث حساباتنا على منصات التواصل؟

فنحن لم نعد نعيش حياةً واحدة على الأرض، صرنا نترك وراءنا حياةً أخرى موزعة بين هاتف ومنصة وبريد إلكتروني ومساحات تخزين سحابية؛ حيث تتراكم الصور والرسائل والمحادثات والمقاطع والوثائق والذكريات، حتى أصبح لكل إنسان تقريبًا مستودع رقمي قد يعرف عنه ما لا تعرفه أدراج منزله.

وحين يرحل الإنسان يبقى هذا العالم حاضرًا على نحو غريب، إذ يظل اسمه في قوائم الأصدقاء وتبقى صوره قابلةً للمشاهدة، كما تستمر رسائله القديمة في هواتف الآخرين، وربما تذكّر المنصة أصدقاءه بعيد ميلاده؛ وكأن التقنية لم يصلها خبر الغياب بعد.

هنا تبدأ مسألة لم تكن تعرفها الأجيال السابقة؛ لأن الميراث لم يعد أموالًا وعقارات ومقتنيات فحسب؛ أضيف إليه شيء لا يُمسك باليد اسمه " الإرث الرقمي" .

لكن من يملك هذا الإرث؟ من يحق له فتح الرسائل الخاصة؟ وهل الصورة العائلية ميراث بينما تبقى المحادثة سرًا؟ هل يحق للورثة الوصول إلى بريد الراحل أم إن الخصوصية تستمر حتى بعد الرحيل؟

أسئلة تتجاوز التقنية إلى الأخلاق والقانون، لأن الحساب الإلكتروني ليس صندوقًا عاديًا يمكن تسليم مفتاحه؛ بل مساحة تختلط فيها حقوق صاحبه بحقوق أشخاص آخرين كتبوا إليه وهم يظنون أن حديثهم سيظل بين طرفين.

كما أن المسألة ستزداد تعقيدًا كلما أصبحت حياتنا أكثر رقمية، فهناك اليوم كتب ومخطوطات وصور وأعمال إبداعية ومحافظ رقمية واشتراكات وملفات، وربما مشروعات كاملة لا وجود لها خارج الشبكة، لذلك قد يصبح فقدان كلمة مرور واحدة شبيهًا بفقدان مفتاح خزانة لا يعرف أحد ما بداخلها.

ربما نحتاج إلى ثقافة جديدة تجعل ترتيب الحياة الرقمية جزءًا من ترتيب شؤوننا المعتادة،بحيث يعرف الإنسان ماذا يريد أن يبقى وماذا يريد أن يُمحى، ومن يأذن له بالوصول إلى بعض ممتلكاته الرقمية دون أن تتحول خصوصيته بعد رحيله إلى غرفة مفتوحة للجميع.

الأجيال السابقة تركت لنا رسائل بخط اليد، صورًا في ألبومات، مفاتيح لصناديق صغيرة ، بينما سنترك نحن كلمات مرور وملفات في السحابة، وحسابات قد تحمل سنوات كاملة من أعمارنا.

السؤال لم يعد ماذا سنترك خلفنا فقط بل بأي صورة نريد أن نبقى؟

فقد يأتي زمن لا يفتح فيه الأبناء صندوقًا قديمًا بحثًا عن آثار آبائهم، بل يفتحون حسابًا إلكترونيًا ، يجدون هناك صوتًا وصورةً ورسالةً وضحكةً ويوميات عمر كامل.

عندها ربما يصبح آخر ما يتركه الإنسان في هذا العالم ليس مفتاح بيت, بل كلمة مرور.